#adsense

هل النموذج اللبناني خرافة؟

حجم الخط

على جسد الوطن آثار تعذيب، وكأنَه أخضع لأستجواب بربري مارسته وسائل ابتزاز المؤسسات العصبوية المسلَحة. وبدا اللبنانيون وكأنَ الأيام قد ناءت بهم، فأصيبوا بالكدر من محاولة جرَهم الى مبايعة أهداف دخيلة. وقد ظهرت أبوَة جديدة تتحجَج بالمقام القدسي، أي الأقتران بقوى عليانية، تطلب جماهير طيَعة مغلوبة يجري تهديدها بردات فعل عقابية، وتعلم أنَ مخالفتها المشيئة الألهية المبتكرة تعني الكفر بعينه.

ولمَا كان البلد يديره أميَون، وكانت بعض الكتل السياسية تنهج سلوكا عبثيا في التناطح على السلطة، وتمثَل في غالبيتها رموز شراكة محاصصاتية، بات نظام الخطوط العريضة واضحا في المقابل. هذا النظام الذي انتهز وجود دولة الفوضى السياسية، دولة المجاهرة الشكلية بالمصالحة والوحدة والمشاركة، دولة العمل الدؤوب على تقوية العصابات، واستغلَ هزال التناغم بين القوى التي تؤلَف اللعبة السياسية الجارية، فمارس التدمير النمطي التدريجي للمؤسسات، وعمل على تشويه وعي الناس، وصولا الى فرض واقع هجين عليهم. ولمَا كان أدراك الناس متأخَرا للوضع الراهن، لم يستطيعوا هدم جدران الحذر، فكانوا مطيَة للتجييش الغريزي الذي تصبح الكوارث أدنى نتائجه.

انَ رحلة قتل الوطن بوحشية بدأت بوتيرة تصاعدية. وتوسَلت نهج التوتَر والأحتقان، وتسويق مشاعر العداء. وقد تجاوز اللاعبون الخطوط المحظورة أمام قصور مستويات الوعي السياسي لدى العامة، فاهتزَت نظم القيم، وراح الأنقلابيون يحدَدون ما يصحَ وما لا يصحَ، وينشرون ثقافة الرايات السوداء، ويهدَدون العاصين على التدجين، ويبشَرون بفتنة تطحن الوطن، ويستثمرون موروثا ضخما من الخطب التحريضية للنيل من الوطن تحت شعار "موقف شرعي". والأدهى لا بل الأخطر أنهم يتولَون تحويل الأرهاب من ظاهرة الى نظام.

ولما كان وجود بعض المرجعيَات السياسية يشكَل محنة حقيقية للبلد، كونها تتخندق وراء مشاريع مشبوهة، جرت محاولات حميمة من جانب هذه المرجعيات لبيع البلد في سوق النخاسة. واستغلَ قادتها بدعة "المواجهة" وجعلوها سلعة للمراباة الرخيصة. فبات الشعب المتوعَك من أدائهم، ينوء تحت ضغوط التهديد والضجيج الأعلامي الموجَه وما يحدثه من أرهاب فكري وهزائم نفسية. ووصلت السلبية بهؤلاء الى درجة عدم اعترافهم بالسلطات المنتخبة بوسائل ديمقراطية، واتهامها بأنها غير شرعية وغير جديرة بمسؤولياتها، وهي بأدائها "المعوجَ" تفرَط بالمكتسبات الوطنية التي احرزها نضالهم.

ان القوى التحريضية ذات الخطط التفكيكية، والتي جعلت من نفسها سلطة فوق كل السلطات، تسعى الى غرز المزيد من التشظي في جسم الوطن، للأنتقال به من صيغته "الفريدة" الى نوع من النيو فاشية الممقوتة، أو حالة من الفوضى الأمنية التي تؤسس لقبول قسري لنظام ديني موعود يقضي على الديمقراطية وما رافقها من أفعال نضالية ركَزت مبادئ الحرية والعدالة والحقوق. وهذا يطرح السؤال المخيف: هل نحن اليوم في وضع المودَع لنموذج كان مجرَد خرافة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل