هل ستجد المعارضة الشجاعة الكافية في نفسها لتتبنى قلب طاولة الحكومة، ام انها مرعوبة من امكان عمل سعد الحريري بنصيحة تقديم استقالته بعدما اثبتت التجارب ان السب والشتم والقدح والذم عملة فاشلة من الصعب، بل من المستحيل ان تضع الحكومة في الزاوية السياسية ليس عن حق بل لخلف المزيد من اجواء سم البدن (…).
الذين يعملون في السر وفي العلن لمقايضة شهود الزور بالمحكمة الدولية، يتناسون ان قوة 14 اذار نابعة من دماء شهدائها، ما دفع المعارضة ككل الى اعتبار شهود الزور بمستوى رفيق الحريري وعظماء الثورة الاستقلالية الثانية حتى وان كان المقصود ضرب اللبنانيين ببعضهم لمجرد ارضاء رغبات من يتصور ان ثمة استحالة امام رفض تصوراته، وهي في معظم الاحوال ناجمة عن اخطاء متراكمة لا محل لها في الاعراب السياسي والوطني، خصوصاً ان التركيز على شهادة رفيق الحريري وحده يعني مسح الشهداء الاخرين من اللائحة، مهما اختلفت نظرة المحكمة الدولية الى هؤلاء (…) والى من يقال بقوة السلاح انهم شهود زور ليس الا؟!
هذا المنطق الاعوج لا سابق له بالنسبة الى مقايضة شهود الزور بالشهداء، مع الاخذ في الاعتبار القصد الحقيقي من اسقاط غير رفيق الحريري من لائحة الشهادة، على اساس انه يكفي حزب الله خصوصاً والمعارضة عموماً تنازل سعد الحريري عن دماء والده، قبل الانتقال الى تنازل الاخرين عن دماء شهدائهم. وهذه المعادلة طرحت في بعض مراحل الازمة السياسية حيث قال مرجع رسمي "لا نريد سوى تحييد سعد الحريري وآل الحريري عن ملف المحكمة الدولية ونحن نتكفل بالبقية".
الى هذه الدرجة المذلة وصل الامر بحزب الله وبعض الاحزاب الحليفة، على امل الخروج من عقدة الملاحقة الدولية (…) ربما لان اصحاب هذا الرأي يقولون انه يستحيل عليهم غسل ايديهم من دماء الرئيس السابق "لان دولا كبرى مثل السعودية تحديداً ترفض مقايضة دم رفيق الحريري مهما اختلفت الاعتبارات!"
كما سبق لاصحاب هذا الرأي القول انه لن يكون بوسع الاحزاب والقوى الاخرى في 14 اذار المضي قدماً في ملاحقة ملفات شهدائها ما يعني ان ابتعاد سعد الحريري الطوعي او القسري عن التمسك بالمحكمة الدولية سيؤدي تلقائيا بالاخرين الى القبول بحلول سياسية او غير سياسية حفاظا على ماء الوجه (…) .
ومن اسوأ ما قيل ان جهات نافذة تعهدت بتأمين مليار دولار بمثابة ديات لذوي الشهداء، فيما لا ينفع مثل هذا الرقم في حال طرحه على اي مسؤول في المملكة العربية السعودية (…) كما على اي واحد من آل الحريري لاسيما ان المعالجة السياسية التي بلورها تصرف رئيس الحكومة حيال نظرته الى العلاقة اللبنانية – السورية قد اعتبرت في المحافل الداخلية الاقليمية والدولية قمة في الوطنية والاخلاق والمحكمة!
لقد سبق طرح "حل البدل المالي" على اهالي المفقودين والمخطوفين من غير ان تتوافر له اذن صاغية، مثلما حصل مع آل الامام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. وهناك من يجزم بأن الزعيم الليبي جاهز على مدار الساعة والايام لان يدفع ديات الصدر ويعقوب وبدر الدين حتى ولو اقتضى الامر اعتبار خطوته مكملة لما فعله بالنسبة الى ضحايا "طائرة لوكربي"!
امام هذه الوقائع يبقى هناك من يصر على القول ان ملف شهود الزور لا بد من التمسك به، ليس للوصول الى الجناة، بل لانه يبعد عن القتلة والجناة تهمة غير قابلة للدحض ولن تجد من يدافع عنها وعمن ارتكبها!
اليوم، يستمر مسلسل التخويف: لن تكون جلسة لمجلس الوزراء في حال لم تختلف نظرة الحكومة الى موضوع شهود الزور. ولا حاجة امام هذه العقدة المصطنعة سوى القول ان البراءة لا تأتي من الحكومة بل من المحكمة الدولية والمرجع القضائي الصالح ان كان محليا ام خارجيا. واي كلام آخر سيبقى في سياق التخويف وفي مستوى الدحض الرخيص مهما كان الساعي اليه ومهما اختلفت وسائل الضغط والشتيمة والتخوين والتخويف؟!
واذا سلمنا جدلاً بوجود نية لدى حزب الله لمقايضة شهود الزور بشهداء الثورة الاستقلالية الثانية، فهل بوسع احد تقبل اي طرح من جانب من هم مع حزب الله وحلفائه يطالب بنسيان شهداء المقاومة. وفي حال جاء الجواب ايجاباً عندها لن تكون مشكلة حتى وان كان وراء القبول فضيحة من وزن الخيانة الوطنية العظمى؟!
محمد زهير الصديق وهسام هسام وابو عدس وسواهم من شهود الزور قد تتطور النظرة اليهم الى ما يشبه نظرة ميشال عون الى القيادي في تياره العميد فايز كرم، حيث اعرب عن امتعاضه من طريقة تعاطي القضاء والاجهزة مع هذا العميل الى حد عدم الاهتمام بصحته، ربما لان النظرة لا تختلف عند عون بين الصديق والعميل، او ربما لان معلومات العميد فايز كرم ترشح عون لان يحمل رقما خيانيا في وقت غير بعيد؟!