#adsense

مداخلة قانونية لحرب في جلسة الحكومة… احالة ملف شهود الزور أمام المجلس العدلي مخالفة دستورية وقانونية كبيرة

حجم الخط

قدم وزيرالعمل بطرس مداخلة قانونية حول قضية شهود الزور، خلال جلسة مجلس الوزراء المنعقدةفي قصر بعبدا هذا نصها:

"السؤال الأول: هل راجع أحد القضاء اللبناني في موضوع الإدعاء على شهود الزور؟ ولا سيما أنه قد ورد في إدعاء جميل السيد أمام المحكمة الخاصة بلبنان أنه:

المستدعي اتخذ صفة الادعاء الشخصي أمام قضاة تحقيق عدة من أجل ملاحقة مرتكبي الجرائم التي ألحقت به الضرر والمرتبطة باحتجازه التعسفي ( بناء على شهود الزور)… غير أن كل هؤلاء القضاة أعلنوا عدم إختصاصهم للنظر في الدعوى، وطلب وزير العدل اللبناني من المحاكم المختصة رفض بت الطلبات …"

تقرير وزير العدل – قرار فرانسين 17/9/2010 – ص. 4 و5 الفقرة 15

بعد البحث والتدقيق تبين أن جميل السيد قدم شكويين واحدة في 31/7/2008 ضد مجهول بجرم تزوير واستعمال مزور في مستند رسمي وحول كتاب موجه إلى المفوضية العليا لحقوق الإنسان فيه وقائع مغلوطة ومزورة. وقد صدر قرار بعدم صلاحية القضاء اللبناني للنظر فيها لارتفاع يده عن التحقيقات في مقتل الرئيس الحريري وذلك في 27/1/2010 والأخرى شكوى بجرم تزوير واستعمال مزور وإنتحال صفة فصدر بتاريخ 27/1/2010 قرار بعدم الصلاحية.

وأنني أبرز لائحة بالدعاوى التي تقدم بها جميل السيد والتي تثبت أن السيد لم يراجع القضاء اللبناني في جرم شهود الزور مطلقا، وأن الكلام الذي أدلى به أمام المحكمة الخاصة والذي تداولته وسائل الإعلام غير صحيح.

الجواب الأول:لم يتقدم أحد بشكوى ضد شهود الزور أمام القضاء اللبناني إلا الحق العام. والقضاء اللبناني لم يرفض أي شكوى ضد شهود الزور وأبوابه مفتوحة أمام المتقاضين.

السؤال الثاني: هل يخضع جرم الشهادة الكاذبة لصلاحية المحكمة الخاصة بلبنان إذا ما ارتكب في معرض التحقيقات في هذه الجريمة والجرائم المتلازمة أم يبقى للقضاء اللبناني حق النظر فيه؟

أشاطر وزير العدل في ما ذهب إليه في تقريره ( الصفحة 10).

في المبدأ إن المادة /15/ من قانون العقوبات تنيط الصلاحية الإقليمية للنظر في كل جرم حاصل في لبنان وهي ترجمة عملية لمبدأ سيادة الدولة على كامل أراضيها. ولا تزول هذه الصلاحية حتى في حال ملاحقة الجرم عينه من قبل قضاء أجنبي وصدور حكم به. (المادة 28 ع.).

إلا أن ذلك ليس مطلقا في حالتنا بسبب الاتفاق الذي وقعه لبنان مع الأمم المتحدة ونظام الإجراءات المطبقة لدى المحكمة الخاصة بلبنان. نصت المادة الرابعة من النظام الأساسي للمحكمة على ما يأتي :

المادة 4: الاختصاص المشترك :

"1- للمحكمة الخاصة والمحاكم الوطنية في لبنان إختصاص مشترك. وتكون للمحكمة الخاصة ضمن إختصاصها أسبقية على المحاكم الوطنية في لبنان.

" 2- في موعد يحدده الأمين العام، على ألا يتجاوز شهرين بعد تسليم المدعي العام مهامه، تطلب المحكمة الخاصة من السلطة الوطنية المعروضة عليها قضية الهجوم على رئيس الوزراء رفيق الحريري وآخرين، أن تتنازل عن إختصاصها. وتحيل السلطة القضائية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة إن وجدت، وينقل الأشخاص المحتجزون رهن التحقيق على عهدة المحكمة. (التسطير من قبلنا).

ما يؤكد على ما يأتي:

1- قيام إختصاص مشترك بين المحكمة الخاصة والمحاكم اللبنانية. 2- أسبقية المحكمة الخاصة ضمن إختصاصها على المحاكم الوطنية اللبنانية. 3- إنتقال إختصاص القضاء الوطني في قضية الهجوم على الشهيد الرئيس رفيق الحريري على المحكمة الخاصة عبر تنازل القضاء الوطني عن إختصاصه للمحكمة الخاصة.

وقد أحيلت الملفات أمام المحكمة الخاصة بناء لطلبها.

يبقى أن نشير إلى أنه من الضروري في معرض أسبقية الصلاحية للقضاء الدولي أن لا يؤدي تشابك الصلاحيات بين القضاء الدولي والقضاء الوطني على حصول محاكمتين في الوقت عينه وإحتمال صدور قرارين وعقوبتين متناقضتين في الجرم الواحد، الأمر الذي لا يصح قانونا، باعتبار عدم جواز محاكمة أي شخص مرتين لجرم واحد.

ومن هنا وجوب التمييز بين الفعل الحاصل قبل تولي المحكمة الخاصة لصلاحياتها، والجرم الحاصل بعد ذلك، لأن قواعد الإجراءات والإثبات، ولا سيما المادتين /134 و152/، لا تجيز للمحكمة الخاصة بلبنان محاكمة شهود الزور الذين أدلوا بإفاداتهم قبل الشروع والسير بالمحاكمة أمامها، ما يؤكد على صلاحية القضاء اللبناني النظر في الأفعال المرتكبة قبل إحالة الملف إلى المحكمة الخاصة بلبنان.

أما بالنسبة للأفعال المرتكبة بعد الشروع بالمحاكمة الدولية فتبقى الأسبقية للقضاء الدولي على القضاء الوطني ويعود للأول صلاحية النظر بها أما في حال تمنعه عن ذلك لأي سبب كان لا شيء يحول دون تولي القضاء اللبناني النظر فيها.

*السؤال الثالث: في من يحق له تحريك الحق العام في جرم شهادة الزور؟

يعود للمتضرر من فعل جرمي ما الإدعاء أمام القضاء طلبا للتعويض عن الأضرار اللاحقة به من جراء هذا الجرم. كما يعود للنيابة العامة تحريك الحق العام والادعاء على أي شخص يرتكب أفعالا جرمية كشهادة الزور.

ما يعني أنه إذا أرتأت النيابة العامة عدم تحريك الحق العام في وجه من أدلى بإفادة أمام السلطات القضائية المدنية والعسكرية أو الإجرائية، فلا شيء يحول دون ممارسة من تضرر نتيجة الفعل الجرمي المنسوب، حقه في الادعاء عليه للمطالبة بالتعويض عن الضرر اللاحق به. وليس صحيحا أن جميل السيد قد سدت المنافذ في وجهه في لبنان، وأن القضاء اللبناني رفض النظر في دعاوى شهود الزور، ما " اضطره " اللجوء إلى القضاء السوري. فالقضاء اللبناني قد ادعى على كل من فادي الياس النمار وأبراهيم ميشال جرجوره بجرم شهادة الزور، كما ورد في تقرير وزير العدل، كما ادعى على الشاهد زهير الصديق بجرم الاشتراك باغتيال الرئيس الحريري ورفاقه.

من هذا المنطلق أرى أن الضجة المثارة حول موضوع شهود الزور ووجوب الادعاء عليهم ومحاولة الإيحاء بأن القضاء اللبناني مقصر في هذا الأمر غير دقيق، لأن لا شيء يمنع الغيارى والمطالبين بتحريك الادعاء ضد شهود الزور أن يتقدموا بشكوى ضد المشتبه بهم أمام القضاء وانتظار ما يمكن أن تؤول إليها شكواهم.

* السؤال الرابع: هل يعود لمجلس الوزراء التدخل في عمل القضاء وتوجيهه؟

طرحت بعض القوى السياسية أمر شهود الزور في مجلس الوزراء مدلية بأن المحكمة الخاصة بلبنان أداة إسرائيلية أميركية تهدف إلى ضرب حزب الله وقدمت هذه القوى عدم ملاحقة شهود الزور كدليل على ذلك. وبالنظر لإلحاح هذه القوى قرر مجلس الوزراء تكليف وزير العدل بمتابعة إثارة بعض الوزراء لموضوع شهود الزور على الصعيد القانوني للحصول، حسب الأصول، على ما يتوفر من معلومات بهدف الإجابة على الأسئلة التي طرحت. وذلك بالطبع، حسب ما ورد في تقرير وزير العدل حسب الأصول التي تحترم مبدأ فصل السلطات واستقلالية القضاء وأحترام الاتفاقات الدولية ومبدأ سرية التحقيق، وقد قام وزير العدل بمهمته وأودع مجلس الوزراء تقريره.

إلا أن الملفت أن مجلس الوزراء ليس متفقا على نظرة موحدة لحدود صلاحيات السلطات، حتى بات يخيل للبعض أنه يطلب من مجلس الوزراء الحلول محل السلطة القضائية وإصدار الأحكام المرتبطة بالصلاحيات القضائية ووصف الجرائم والتدخل حتى في إجراءات المحاكمة بوقف السير في تحقيق حتى إنتهاء التحقيق في جرم شهادة الزور مثلا.

غير أنه من البديهيات بنظري ألا ينحرف مجلس الوزرءا خارج نطاق صلاحياته وألا يمنح ذاته صلاحيات قضائية مستبقة صلاحيات السلطة القضائية بإصدار الأحكام ووصف الأفعال والتدخل في مجريات المحاكمة.

إن دور مجلس الوزراء محدد في الدستور، وكل تجاوز له ولصلاحياته خرق لهذا الدستور. وإذا كنا وافقنا على تكليف وزير العدل بإيداعنا تقرير عن مجريات المحاكمة، فليس بهدف إصدار أحكام فيها، بل بهدف إطلاعنا على سير العدالة والتداول مع وزير العدل، وفي إطار صلاحياته المتواضعة جدا، والمقتصرة على حقه في طلب تحريك الحق العام من النيابة العامة متى بلغ علمه حصول جرم، في ما يمكن عمله للرد على تساؤلات الناس والشكاوى التي بلغت مسامعنا. إن كل محاولة من قبل مجلسنا للتدخل في عمل القضاء جريمة لا تغتفر لأنها تؤدي إلى هدم الدولة والنظام البرلماني الديمقراطي القائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوجهاتها.

ومن هذا المنطلق أدعو إلى الحذر الكلي لعدم تخطي صلاحياتنا والاعتداء على صلاحيات السلطة القضائية.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هل هناك خلل ما في نظامنا القانوني والقضائي. وماذا يجب عمله لإصلاح هذا الخلل، في حال وجوده. وإذا كان نظامنا هذا سليما فما هي الدوافع السياسية التي تكمن وراء الضجة المثارة؟

ومن هذا المنطلق، أود أن أؤكد أن نظامنا القضائي بخير، وأنه قادر على تقديم الحلول القانونية لكل ما نحتاج، وأنه كغيره من الأنظمة بحاجة دائمة إلى تطوير ليواكب متطلبات العصر وغلى حركة إصلاحية مستمرة لتنقية الجسم القضائي من الشوائب.

إلا أنني، وفي معرض مقاربتي للأمر، أجد نفسي مضطرا لإبداء وجهة نظري في المسائل المطروحة تأكيدا للمبادئ التي ذكرت أعلاه، وذلك في معرض إبداء رأي قانوني شخصي، وليس استباقا للقضاء ورأيه وأحكامه، ومساهمة مني في إيضاح مواضيع البحث على الصعيد القانوني، مؤكدا أن ما أطرحه أولا وأخيرا هو ترك بت هذه الأمور للقضاء باعتباره المرجعية الدستورية والقانونية الوحيدة لحسم هذه الأمور.

إن البحث الشامل لهذه المسألة يستلزم مقاربتها من ناحيتي القانون اللبناني والقانون الدولي.

1- في القانون اللبناني:

إن جرم الشهادة الكاذبة منصوص عليه في قانون العقوبات : المادة الخامسة من الباب الرابع ( الجرائم المخلة بالإدارة القضائية) المادة /407/ حتى /411/ من الكتاب الثاني المتعلق بالجرائم.

فحسب تعريف المادة /408/ تعتبر من قبيل الشهادة الكاذبة :

أ – الشهادة المعطاة أمام سلطة قضائية أو قضاء عسكري أو إداري.

ب- الشهادة التي يكون مضمونها الجزم بالباطل أو إنكار الحق أو كتم بعض أو كل ما يعرفه الشاهد من وقائع حول القضية التي يسأل عنها.

ت- وفي هذا السياق لا يفرق القانون اللبناني بين الشهادة المعطاة بعد أداء القسم أو دون أدائه إلا فيما خص مقدار العقوبة.

إن إجتماع هذه الشروط يؤدي إلى تحقق عناصر جرم الشهادة الكاذبة الذي يختص القضاء اللبناني لملاحقته عند إنعقاد إختصاص الشريعة الجزائية اللبنانية المحدد في المواد / 15/ على 23/ عقوبات، ولو انتهى المرجع الناظر بالدعوى التي شهد كذبا على أحد وقائعها أمامه، على إعلان عدم إختصاصه.

غير أنه، وتعليقا على ما إذا كان يتوفر الجرم إذا أدلى بالشهادة أمام الضابطة العدلية، واعتبار وزير العدل أن الفقرة (2) من المادة /408/ عقوبات تجيز الملاحقة في حال الإدلاء بالشهادة أمام الضابطة العدلية فيهمني أن أؤكد على عدم مشاطرتي لهذا الرأي للإعتبارات الآتية.

جاء نص الفقرة (2) المشار إليها على النحو الآتي: "إذا أدليت شهادة الزور في اثناء تحقيق جنائي أو محاكمة جنائية قضى بالأشغال الشاقة عشر سنوات على الأكثر."

إن قراءة هذه الفقرة توحي بأن أي إفادة كاذبة أمام الضابطة العدلية وفي معرض تحقيق جنائي، يمكن أن تشكل جرم الشهادة الكاذبة.

إلا إن التدقيق في النصوص والعودة إلى المبادئ القانونية العامة تؤكد على عكسه وتفرض شروطا محددة لتوافر عناصر الجرم.

إن الفقرة الأولى من المادة /408/ قد حددت السلطات التي يجب أن يدلي أمامها بالشهادة كي يكون بالإمكان وصفها بالكاذبة. وقد اكتفت الفقرة (2) بتشديد العقوبات على أنه إذا كانت الوقائع المشهود عليها كذبا تتناول جناية. هذا ما يستدل من الصياغة الفرنسية لهذه الفقرة، أي الصياغة الأصلية ( علما أنه لم يطرأ تعديل على المادة /408/ منذ تاريخ نفاذ قانون العقوبات).

" Si le faux témoignage a eu lieu au cours d'une information ou d'une procédure criminelle, la peine sera les travaux forces pour dix ans au plus. "

فتعابير " a eu lieu" و " information" و " procédure criminelle " لا يمكن أن تجد تفسيرا لها، وتحديدا لإطارها، إلا ضمن السلطات القضائية المحدد لها في الفقرة الأولى والتي ذكرت في النص الفرنسي الصلي على أنها :

" …Devant l'autorité judiciaire ou une jurisdiction militaire ou administrative. "

وإن التفسير على النحو المخالف لما سبق بيانه :

1- يخالف تاريخ التشريع: فقد وضع قانون العقوبات موضع التنفيذ العام 1944 بالاستناد إلى تقرير فؤاد عمون المنظم في 24 آذار 1939، بشكل كان يصعب معه تصور الشهادة الكاذبة أمام ضابطة عدلية لم يكن لها وجود مستقل عن الانتداب الفرنسي وتوجيهاته وتعليماته.

2-يخالف مبدأ دستوري وتشريعي ، ومبدأ قانوني أساسي " principe fondamental de droit " كالذي يؤكد على أن لا عقوبة دون نص. ففي ضوء ما سبق بيانه، لا شهادة كاذبة إلا أن أدلي بها أمام مرجع قضائي ( عدلي أو عسكري أو إداري)، كما هو واضح من صراحة النصين الفرنسي والمعرب.

لذا فإن تجريم الشهادة الكاذبة إن أدلي بها أمام الضابطة العدلية يجب أن يرد بشكل واضح وصريح، لا أن يستخلص على سبيل القياس، كما نص على ذلك القانون المدني الفرنسي:

Art 434 – 13 – Code pénale français – (al – 1ère) : " Le témoignage mensonger fait sous serment devant toute juridiction ou devant un officier de police judiciaire agissant en exécution d'une commission rogatoire est puni. "

يستفاد من نص القانون الفرنسي أنه يجب، ولاعتبار الشهادة المدلى بها أمام أحد عناصر الضابطة العدلية، كاذبة، أن يكون هذا الأخير يتصرف بالاستناد إلى إنابة قضائية.

هذا ما يعزز التفسير الآنف الذكر، إذ أن جرم الشهادة الكاذبة هو جرم يتناول ويمس الإدارة القضائية، بحيث أنه لا يستقيم، في عناصره، إلا إذا أعطيت أمام مرجع قضائي، أو أمام من ينيبه هذا الأخير. لذا، من المحال، وإضافة إلى الأسباب المدلى بها سابقا، أن تكون الفقرة (2) قد أقامت جرم الشهادة الكاذبة إذا أدلي بها أمام الضابطة العدلية من جهة، لأنها لم تنص صراحة على هكذا جرم ومن جهة أخرى، لأنه لا يكفي ورود عبارة التحقيق الجنائي في معرض فقرة لا تصف أو تعلن الجرم للزعم بأن أي إفادة غير صحيحة أمام الضابطة العدلية تشكل جرم الشهادة الكاذبة. إن الإنابة القضائية التي يصدرها القضاء هو الشرط الضروري لاعتبار الإفادة الكاذبة أمام الضابطة العدلية شهادة كاذبة. ( إعتبار أنه بموجب الإنابة تحل الضابطة العدلية محل المرجع القضائي).

هذا فيما يخص المبادئ العامة، أما وبالنظر لخصوصية التحقيق المجرى في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يطرح السؤال لمعرفة ما إذا كان التعليل السابق يبقى صحيحا في حال إستماع قاضي التحقيق العدلي للشهادة ليس بناء لطلبه ( حيث يتوفر الجرم) بل بناء لطلب لجنة التحقيق الدولية ( بناء لمذكرة التفاهم الموقعة مع لبنان).

إن إستماع قاضي التحقيق العدلي إلى الشهادة، بناء لطلب اللجنة، لا يفقد الأول صفته كمرجع قضائي، وتبعا لذلك، إن أية شهادة أعطيت أمامه يمكن أن تلاحق بالاستناد إلى المادة /407/ وما يليها من قانون العقوبات.

إلا أنه تجدر الإشارة في هذا المجال على أن بعض أو أحد من يسموهم شهود الزور قد يكون قد عرض الإدلاء بشهادته تلقائيا أي دون أن يطلب لأداء الشهادة. لذا يتوجب البحث حينها، في ضوء هذه التلقائية spontanêité إذا كان هذا التصرف يشكل جرم الشهادة الكاذبة أم يجب وصفه بجرم إختلاق الجرائم والافتراء المنصوص عليه في المادة /402/ إلى المادة /404/ عقوبات، وذلك أن من يخبر سلطة قضائية عن جريمة يعرف أنها لم تعترف، أو من قدم شكاية أو إخبارا إلى السلطة القضائية، فعزا إلى أحد الناس جنحة أو مخالفة يعرف براءته منها…. أو جناية، وذلك طوعيا ودون إستدعائه من القضاء، فيعتبر أنه ارتكب جرم إختلاق الجرائم والإفتراء وليس جرم شهادة الزور ( المواد 402 وما يليها من قانون العقوبات ).

2- في القانون الدولي

إن لجنة التحقيق المختصة بلبنان لم تكن يوما هيئة قضائية بل هي، أسوة بتلك التي أنشئت ليوغوسلافيا السابقة ولروندا، من اللجان التي يجوز لمجلس الأمن إنشاؤها سندا للمادة 24 المقطع الأول من شرعة الأمم المتحدة ( التي تعطي هذا المجلس مسؤولية حفظ السلام والأمن الدوليين )، معطوفة على المادة 29 من الشرعة، التي تجيز للمجلس خلق أجهزة فرعية تخوله ممارسة مهامه Organes subsidiaries .

لذا، لا يمكن إعطاء الشهادة المعطاة امامها، وإن كاذبة، مفهوم شهادة الزور سواء في نظر القانون اللبناني، أو في نظر القانون الدولي، كما سيلي بيانه.

وتجد الإشارة، في هذا المجال، إلى أن الشهادة الكاذبة ليست من الجرائم الدولية بل تعتبر في القانون الدولي من الجرائم المخلة بالإدارة القضائية.

فقد جرمت الشهادة الكاذبة في النطاق الدولي إذا أدِليَ بالشهادة أمام المحكمة Juridiction وليس أمام المدعي العام الدولي، سواء في ما خص محكمتي يوغوسلافيا السابقة أو روندا، أو فيما خص المحكمة الجزائية الدولية Cour criminelle internationale ( المادة 70 معطوفة على المادة 69 من نظام هذه المحكمة).

أما بالنسبة للمحكمة الخاصة بلبنان، إن أصول المحاكمة والإثبات لهذه المحكمة، فقد أقرت تعديلا سنة 2009 جرم فيه الشهادة الكاذبة المدلى بها أمام المدعي العام التابع لهذه المحكمة، وهذه سابقة في القانون الدولي، حيث أن أي شهادة يدلى بها بعد هذا التاريخ يمكن أن تلاحق أمام المحكمة الدولية، لكن بعد هذا التاريخ. أما قبله فلا ملاحقة دولية بهذا الخصوص.

في الإحالة الى المجلس العدلي إن المجلس العدلي محكمة إستثنائية شبيهة بالمحاكم العسكرية وغيرها من المحاكم التي تخرق المبادئ القانونية الأساسية PRINCIPES FONDAMENTAUX DE DROIT التي تفرض توفير حق الدفاع أمام المحاكم، وبصورة خاصة لجهة حق إستئناف وتمييز إي قرار تفاديا للأخطاء القانونية التي قد تقع فيها هيئة قضائية ما، وبصرف النظر عن أهمية هذه الهيئة ومستواها.

إن هذا النوع من المحاكم لا يزال موجودا في بعض الدول والأنظمة لأسباب مرتبطة بأمن الدولة والتجسس والقانون الدولي وهيبة الدولة، وهي جرائم محددة حصرا في القانون، كما هي الحال في لبنان، إذ حددت المادة 356 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الإختصاص النوعي للمجلس العدلي:

أ- الجرائم المنصوص عليها في المواد 270 وما يليها حتى المادة 366 ضمنا عقوبات.

ب- الجرائم المنصوص عليها في قانون 11/1/1958 الذي علق العمل في بعض مواد قانون العقوبات لتطبيق مبدأ القاتل يعدم بصرف النظر عن ظروف القتل.

ج- الجرائم الناتجة عن صفقات الأسلحة والأعتدة ولاسيما تلك المنصوص عليها في المواد 351 حتى 366 عقوبات.

ولأن إنشاء هذه المحاكم الخاصة تخرق قواعد العدالة وحق الدفاع للمتهمين بالنظر للحاجة إلى خلق صدمة سريعة وفورية للرأي العام لضبط الأمور الأمنية واستعمال إنزال العقاب، فإن القوانين التي تنشئها تحدد بصورة واضحة وبنصوص صريحة الحالات الحصرية التي يسمح فيها بالإعتداء على الحقوق الأساسية للمواطنين، وهي حقوق كرستها شرعة حقوق الإنسان والإتفاقات الدولية التي التزم بها لبنان.

ومن هذا المنطلق لا يجوز، وبأية صورة وفق أي ظرف، التوسع في خرق الحقوق الأساسية للانسان وبالتالي إضافة أفعال جرمية للصلاحية الحصرية للمحاكم الخاصة ومنها المجلس العدلي، يبقى أن تنحصر صلاحيات المجلس العدلي والمحاكم العسكرية في الجرائم المنصوص عليها حصرا في قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري، فلا يجوز إضافة جرم جديد إلى هذه اللائحة إلا بعد تعديل واضح وصريح للقوانين وإضافة جرم ما إلى صلاحية هذه المحاكم الإستثنائية .

إن الرجوع إلى المادة /356/ أصول محاكمات جزائية التي أنشئت المجلس العدلي وحددت الحالات التي يجوز إحالتها عليه يبين أن الجرائم المنصوص عليها في المواد /270/ إلى /366/ عقوبات هي المواد والجرائم التي تحال إلى المجلس العدلي، وإن جرم شهادة الزور المنصوص عليها في المواد 407 وما يليها من قانون العقوبات أو جرم الإفتراء واختلاق الجرائم المنصوص عليه في المواد 402 وما يليها لا يدخل في عداد الجرائم الممكن إحالتها إلى المجلس العدلي، ما يعني أن أي إحالة لقضية شهود الزور أمام المجلس العدلي يشكل مخالفة دستورية وقانونية كبيرة لا يمكن القبول بها، وتشكل إعتداءا من مجلس الوزراء على صلاحيات مجلس النواب في التشريع وتعديل قانون العقوبات.

هذا من ناحية، اما من ناحية أخرى، إن الأفعال الجرمية المثارة قد حصلت منذ سنوات، وليس في الأمر ما يستدعي من تعديل المراجع القضائية لأن الأسباب التي تبرر إحالة أي جريمة أمام المجلس العدلي قد سقطت.

ولا يكفي زعم البعض بأن شهادات الزور تهدد أمن الدول لكي يتم تبرير إحالة الأمر إلى المجلس العدلي، إذ أن الأفعال الجرمية قد حصلت منذ فترة، ولم تسبب الإساءة إلى العلاقات بين لبنان وسوريا، بل حصلت في وقت كانت العلاقات سيئة ومعطلة بين الدولتين. هذا إلى أن هذه الشهادات ليست عنصر تهديد أمن الدولة، لأن ما يهدد أمن الدولة واستقرارها هو موقف الأطراف السياسيين وتصعيدهم والتشنج السياسي الحاصل في البلاد نتيجة سير المحكمة الخاصة بلبنان وليس نتيجة الإفادات الكاذبة.

خلاصة الأمر أن شهادة الزور هي من الجرائم التي تمس بالإدارة القضائية، ولا تندرج، بموجب قانون العقوبات أو أي نص جزائي آخر تحت عنوان المساس بأمن الدولة، ولا يجوز أن يبدل وصف جرم بوصف آخر إلا بموجب نص تشريعي.

بقي أن طريق مراجعة القضاء اللبناني مفتوحة أمام أي متضرر من إفادة كاذبة وليس له إلا اللجوء إليه، بل أكثر من ذلك، يعود لوزير العدل أن يقرر الطلب إلى النيابة العام ملاحقة هذا الأمر قضائيا.فالضجة المثارة حول حفظ القضية لا مبرر لها بنظرنا، ونحن من الداعين إلى تحريك النيابة العامة لأننا لا يمكن أن نقبل بحماية أي شاهد زور من العدالة، كما وأننا لا نقبل أن تتعطل العدالة بحجة ملاحقة جرم شهادة الزور.

يجب علينا الإتفاق على إحقاق العدالة لأن لا دولة واستقرار ولا حياة ديمقراطية إذا بقي الجناة مفلتين أحرارا، في الوقت الذي تستصرخنا دماء شهدائنا لحماية دولتنا وحريتنا وأمننا".

المصدر:
وكالات

خبر عاجل