كتبت صحيفة "النهار": الزيارة التي أثارت جدلاً واسعاً داخلياً وخارجياً قبل حصولها، لم تكن أقل اثارة للجدل بعد يومها الاول. ذلك انه نادراً ما تسببت زيارة زعيم خارجي للبنان بتفاعلات واصداء كتلك التي اثارتها زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد منذ اللحظة الاولى لحلوله في بيروت ضيفاً على "الدولة والشعب" الأربعاء.
ويمكن القول ان نجاد فاجأ الجميع بخطابي بعبدا والضاحية الجنوبية. خطاب بعبدا غلبت عليه نبرة الاعتدال ومراعاة التعامل "من دولة الى دولة" الى اقصى الحدود. أما خطاب ملعب الراية فاستعاد النبرة المتشددة المعهودة للرئيس الايراني. ومع ذلك لم يفت متتبعي الزيارة بكل تفاصيلها الشكلية ومضامينها السياسية الاشارة الى ثلاثة أبعاد اساسية واكبت الزيارة في يومها الاول.
البعد الاول تمثل في حرص الجانب الايراني على اظهار وجه الانفتاح على مختلف الفئات اللبنانية مقرونا في الوقت عينه بالاحتضان الكامل لـ"حزب الله". وهو ما فسره المتابعون بان ايران ارادت من هذه الزيارة اطلاق رسالة "مدوية" على المستوى الاستراتيجي عن نفوذها في لبنان، لكنها اظهرت في المقابل ادراكا عميقا لخطورة تفجر الحساسيات اللبنانية، خصوصا ان الزيارة تزامنت مع لحظة اقتراب الوضع اللبناني من متاهة بالغة الخطورة بفعل ازمة المحكمة الخاصة بلبنان. وانعكس ذلك على خطابي نجاد اللذين جمعا تبعا لمكان إلقائهما وطبيعة "الجمع" الذي توجه اليه نبرتين في التعبير عن الموقف الايراني.
البعد الثاني تمثل في انفتاح لبناني واسع على التعامل مع الزيارة من منطلق المصلحة اللبنانية الخالصة بعيداً الى حد كبير من المواقف الخارجية. فخطاب رئيس الجمهورية ميشال سليمان امام ضيفه كان لافتاً في التشديد على ثلاثة مرتكزات هي التزام القرار 1701 والحض على نبذ الفتنة وتأكيد اهمية التنمية الاقتصادية. كما ان توقيع 17 اتفاقا ومذكرة تفاهم وبرنامجا تنفيذيا مع ايران دلل على ادراك لبنان اهمية تطوير التعاون مع ايران حتى في عز العقوبات الدولية عليها، لكن لبنان تجنب المزالق والمحاذير الاخرى تفادي توقيع اي اتفاق عسكري معها.
وعلى المستوى السياسي الواسع بدت الصورة الجامعة لكل التلاوين السياسية التي شاركت في غداء قصر بعبدا، انعكاساً لبراغماتية لبنانية عامة وادراكاً للتأثير الايراني لدى جهات لبنانية، الامر الذي شكل تطوراً ايجابيا ورسالة الى ايران وسواها عن ضرورة ممارسة دور ايجابي في منع اي صدام داخلي بين حلفائها والفئات الاخرى.
اما البعد الثالث فتمثل في ضخامة الحشود الشعبية التي استقبلت الرئيس الايراني على طريق المطار صباحاً وفي الضاحية الجنوبية مساء.
ذلك ان هذه الحشود التي اضطلع "حزب الله" بالدور المحوري والاساسي والتنظيمي في ابرازها تعتبر الاضخم في كل المناسبات التي تولى الحزب تنظيمها سواء في مناسبات داخلية أو خارجية. وشكلت الرسالة الواضحة التي اراد اطلاقها في شأن ارتباطه الوثيق بايران بلا اي تحفظ. الامر الذي عبر عنه بوضوح الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في اطلالته عبر شاشة كبيرة مرحبا بالرئيس الايراني في ملعب الراية، علما ان مهرجان الضاحية نظمته حركة "امل" والحزب معا.