#adsense

ما دامَ شهداؤنا أحياء أعيدوهم لنا!

حجم الخط

"نظرية المؤامرة" التي تنفي هجمات 11 أيلول تغيّب الاغتيالات لأجل محاكمة "شهود الزّور"
ما دامَ شهداؤنا أحياء أعيدوهم لنا!

 
كنّا بحاجة إلى زيارة محمود أحمدي نجاد والخطب التي ألقاها في لبنان كي نتذكّر أن موقف "حزب الله" من المحكمة الدوليّة وحملته تحت شعار "شهود الزّور" هما امتداد طبيعيّ للطور الراهن الذي بلغته الأيديولوجيا الخلاصيّة الشعبويّة الإيرانيّة، من حيث هي، في تعريفها، أيديولوجيا دينيّة أمنيّة، وليس فقط أيديولوجيا دينيّة سياسيّة.

فإذا كان من الممكن في وقت سابق من عمر الثورة الإسلاميّة، أن تتعايش هذه الأيديولوجيا مع تعدّدية نسبيّة ومتأرجحة وغير مضمونة، وذلك على الصعد الفقهية والفكريّة والسياسيّة، إلا أنّ طورها الراهن صار أحوج ما يكون إلى الأحاديّة، وإلى التعلّق بالأفراد القادة قبل الأفكار، وإلى محو الذاتية الفرديّة لصالح مشهدية الجماهير، أو بالأحرى، لصالح "الجماهير المشهدية".

كذلك صارَ لزاماً على تلك الأيديولوجيا الدينية الأمنيّة، أن ترفع "نظريّة المؤامرة" فوق كل نظريّة، بل وأن تجتهد في تطوير "نظريّة المؤامرة" فتفسّر بها الحرب العالمية الثانية و11 أيلول والمحكمة الدوليّة. هذه النظريّة التي تفسّر كل شيء بشكل تلقائي ومباشر، تعني قطيعة مع التاريخ عامة، والسياسة خاصة، والتقاليد الليبرالية على وجه التحديد.

فـ"نظرية المؤامرة" تنفي وجود تاريخ متغيّر ومتبدّل ومتشعّب، ولا تعرف إلا مؤامرة روتينّية كونيّة واحدة، مؤامرة تحدث في كل مكان وعلى مدار الساعة. المفترض عادة، في المؤامرات، أن تكون إستثنائية، لكنّها تضحى في نظرية المؤامرة قاعدة مطلقة في تفسير الأشياء. كل شيء في نظرية المؤامرة مترابط، إنّما كل شيء مترابط فيها بشكل خفّي وشيطانيّ، والجماهير هي دائماً ضحية تدليس وخداع من قبل جماعات خفيّة ترتّب الأشياء من وراء الستارة. لأجل ذلك يأتي "منقذ" مؤمن بـ"نظرية المؤامرة" كل فترة في التاريخ، فيكشف المؤامرة، ويبطل خداع الجماهير، ويسير وإياها إلى جادة الحقيقة.

وفي الأساس، لا تلاقي "نظريّة المؤامرة" قبولاً حقيقياً في المجتمعات التقليديّة قبل أن تمسّها الحداثة، غير أنّها تلاقي هذا القبول إمّا في أوّل الحداثة وإمّا إذا جاءت الحداثة قسريّة أو مفروضة وإمّا إذا تسارعت وتيرتها بطريقة يصعب على طبقات أو فئات بعينها التكيّف معها بالسرعة المطلوبة أو بالإستجابة المفروضة، وإمّا إذا أصيبت المجتمعات الهجينة بصدمات وانتكاسات عنيفة. والمجتمعات التي لم تنطل عليها حيلة اعتناق بونابرت للإسلام يوم حملته على مصر، كانت هي نفسها التي أشاعت أخباراً حول اهتداء هتلر.

لكن الفارق مع الأيديولوجيا الدينية الأمنيّة الإيرانيّة، وبالتحديد تلك التي يرمز لها نجاد "وحزب الله"، أنّها وبدلا من أن تسند "نظرية المؤامرة" بالسبل العلمويّة الزائفة، كما كان يفعل الستالينيّون مثلاً في نظريّتهم الطبقاوية حول "مؤامرة يهودية تروتسكيّة دائمة" تتهدّد الإتحاد السوفياتي من الداخل، أو كما كان يفعل النازيّون في نظريّتهم العرقية حول "المؤامرة اليهوديّة الشيوعيّة الدائمة"، فإنّهم يلجأون بدل ذلك إلى "الحدس" وحده، في مدلوله الغيبيّ الباطنيّ، فتصير قرائنهم على "المؤامرة" قرائن محض حدسية، غير مقرونة بالسند الإختباريّ، ومضخّمة بالخبر غير المسند.

وهكذا مثلاً لا يجيء النفي النجاديّ لـ"الهولوكوست" الذي قامت به ألمانيا النازية بحق اليهود نتيجة لدراسة أطنان من الدراسات المؤكّدة أو المشكّكة، كليّاً أو جزئياً، لوقوع الكارثة، وإنّما نتيجة لاستجماع نتف من هنا وهناك، وكذلك الأمر بالنسبة إلى نفي نجاد لهجمات الحادي عشر من أيلول، في معرض التكذيب المزدوج لبوش وبن لادن والاستهانة بمشاعر ذوي الضحايا، وبالاستناد إلى ما تناهى إليه من مؤلفات للإستهلاك الشعبيّ الرخيص جالت في الغرب بعد الحدث.

والحال إنّها الأيديولوجيا الغيبية الأمنيّة نفسها التي يستند اليها المعادون للمحكمة الدوليّة في لبنان. وإذا كان لا بد لهؤلاء الاستيحاء من نفي نجاد للهولوكوست ولهجمات 11 أيلول، فعليهم ربّما نفي واقعة حصول الإغتيالات والتفجيرات في لبنان، نفي واقعة أنّه قد جرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي وجبران التويني وبيار الجميّل وانطوان غانم ووليد عيدو ووسام عيد وفرنسوا الحاج، وانه جرت محاولة اغتيال مروان حمادة والياس المر ومي شدياق وسمير شحادة. هل الأمر مستغرب؟ ألم يصب في هذا السياق ما جرى من "تغييب" لهذه الجرائم تحت يافطة تحريك قضية "شهود الزور"؟ لا بأس إذاً، لا داعي للمحكمة ما دام شهداؤنا أحياء، وما دام شهداؤنا أحياء أعيدوهم لنا!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل