لا يستطيع أحد أن يُنكر أن حزب "الله" استطاع وبمهارة شديدة إحداث انزياح كامل في المشهد اللبناني منذ آب الماضي وأحداث برج أبي حيدر والحديث عن سلاح الحزب واستخدامه في الداخل اللبناني، وبمهارة لافتة أزاح الستارة عن مشهد ذاك المؤتمر الصحافي في فندق الماريوت لجميل السيد، فقلب المشهد بعدما كان محشوراً "الحشرة العجيبة" وخلق مساحة يرقص "حنجلة" على أرضها ويتلاعب بأعصاب المشهد اللبناني بالمهل الممدة من آخر أيلول، إلى ما بعد زيارة نجاد، إلى "الفرصة السورية الأخيرة"، وصولاً إلى ترويج جديد أن نهاية الشهر الحالي هي الموعد الأخير للإنذار الأخير…
بالأمس أبدى الحزب انزعاجه من بيان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي تطرق إلى سلاح حزب الله، تحكم الحزب "نقزة" شديدة إذا ما تذكر المجتمع الدولي أو تحدت الداخل اللبناني عن سلاحه، مع أن كل هذه الكركبة التهديدية في البلد لم تكن ليكون لها أدنى قيمة لولا أن الحزب يهدد لبنان وشعبه بسلاحه!!
وربما يتأتى انزعاج الحزب من "استيقاظ" فاجأه لمجلس الأمن الدولي على لبنان الذي أعاده إلى طاولة جلسته الشهرية التي انعقدت أمس الأول والتي أبدى فيها عدد من مندوبي الدول الكبرى عالمياً وإقليميا مواقف حاسمة تدعو إلى الحفاظ على الاستقرار في لبنان، وتؤكد استمرار المحكمة الخاصة بلبنان واستقلالية عملها من دون أي تدخل خارجي، هذا من جهة ؛ ومن جهة ثانية توتر الحزب من تقرير بان كي مون عن تطبيق القرار 1559 بل واستيقاظه أيضاً على تطبيق اتفاق الطائف، وحديثه عن حاجة الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني إلى حصر استعمال القوة على كامل الأراضي اللبنانية بهما.
ولا يبدو حزب الله جدياً وواقعياً وموضوعياً عندما "يتنقز" من تسليط الضوء على سلاحه، يتمنى حزب الله، وسواه، أيضاً أن يصحو ويجد القرار 1559 ممحياً، ولكن هيهات، فلبنان المتمسّك وحزب الله بالطبع بالقرار 1701 للدخول في مرحلة وقف إطلاق النار مع العدو الإسرائيلي، مُجبران عبر تمسكهما بالـ1701 على تطبيق الـ1559، وما بين صدور القرارين ثلاثة أعوام . يُناقض حزب الله نفسه بنفسه، فهو حريص على استمرار واستقرار القرار 1701 المتعلق بلبنان، والذي صدر بإجماع الدول الـ15 الممثلة فيه، فجر يوم السبت 12 آب 2006، ويرفض ويتهم ويسعى بكل ما أوتي من تهديد ووعيد إلى تعطيل القرارات الدولية الباقية منذ القرار 1559 الصادر في 2 أيلول 2004، ويتجاهل حزب الله بأسلوب نعامي ما نصت عليه مقدمة القرار 1701: "يذكر مجلس الأمن بقراراته السابقة حول لبنان لاسيما القرارات 425 (1978)، 426 (1978)، 520 (1982)، 1559 (2004)، 1655 (2006)، 1680 (2006) و1697 (2006)، وكذلك ببياناته الرئاسية حول الوضع في لبنان لاسيما منها تلك الصادرة في تاريخ 18 حزيران العام 2000 و19 تشرين الأول العام 2004، و4 أيار العام 2005، و23 كانون الثاني العام 2006، و30 تموز العام 2006".
لن يلبث اللبنانيون عاجلاً أم آجلاً أن يعيدوا قراءة الأحداث كلها منذ العام 2004 والقرار 1559 وكلما أمعنوا في القراءة سيكتشفون أن "القطبة المخفية" في كل الأحداث الدراماتيكية المأساوية التي يعيشونها منذ سنوات خمس ـ والتي يريد الحزب ومن وراءه محوها اليوم مدعياً أنها كانت حالة إنقلابية ـ محورها ومدارها وسقفها وأرضها وجدرانها التي تهاوت فوق رؤوس اللبنانيين وشهدائهم، "القطبة المخفية" فيها إسمها "سلاح حزب الله".
اليوم، الحزب لديه استعداد كامل لتدمير كل لبنان من أجل "السلاح"، ألا يتنبه اللبنانيون أن الجملة الأخيرة التي تُقال في وجوههم قبيل كل إطلالة لأمين عام الحزب هي:"لن نترك السلاح"، سلاح حزب الله أبعد بكثير مما يدور الحديث عنه من "فذلكات" تمرير الوقت بطاولة حوار أو تفاهم أو استراتيجية دفاعية كلها مضيعة للوقت، هذا السلاح تحديداً هو "المفتاح السري والسحري" للمشروع الإيراني في المنطقة والذي جهد أمين عام الحزب في نفيه للعالم العربي وبح صوته بين يدي أحمدي نجاد في ملعب الراية، فيما نجاد نفسه اعتلى المنبر ليؤكد مشروع إيران المهدوي، وتحدّث "بالرمز والإشارة" عن العدالة الآتية، لم يكن بمقدوره أن يصارح اللبنانيين أن ما يدعوهم إليه هو "مشروع غيبي" يخوض كل حروبه لأنها تسرع "ظهور المهدي"، وحزب الله يعتقد ما يعتقده أحمدي نجاد بكل حذافيره، والمطلوب من اللبنانيين أن يسيروا "عالعمياني" خلف هذا المشروع الذي "يلبس" هذه الأيام لبوس التقديمات "التغلغلية" الإيرانية لوضع اليد وبشكل مباشر على لبنان!!
أيها اللبنانيون: إستعدوا.. حان وقت ظهور الحرس الثوري الإيراني في كل المرافق اللبنانية، فحزب الله تعب من المواجهة، وإيران تستعد لأخذ الحمل عن كتفه المثقل، والدولة ورئاساتها: "عاجزة ومخصية" وحيادية إلى حد مريب!! خطابا أحمدي نجاد في ملعب الراية وفي بنت جبيل كانا خطابا "البشرى" باقتراب الظهور، وحتى اليوم لم يفكك قارئ ما رموز التقية التي استخدمها في إعلانه اقتراب "ظهور المهدي" وتحديداً من بنت جبيل على أبواب بيت المقدس، فحزب الله أتقن التمويه بالحشود البشرية التي أزاحت أنظار اللبنانيين "غير الفاهمين" لرموز الخطاب المهدوي النجادي.