المواقف الدولية وضعت حداً للرهان على التأثير في المحكمة
معالجة تداعيات القرار الاتهامي تسلك طريقها
تعتقد مصادر سياسية رفيعة أن التطورات والمواقف الدولية التي سجلت اخيرا جاءت ردا على الحملات المستمرة للمتضررين من المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري وساهمت في نقل النقاش الجاري حول الموضوع من مكان الى مكان آخر. فخلال ما يزيد على ثلاثة أشهر تواصلت الحملات والضغوط على رئيس الوزراء سعد الحريري في رسالة حازمة موجهة الى الداخل والخارج على السواء. ولا يمكن القول ان بعض الدول لم يتأثر او تساوره مخاوف من التصعيد على الصعيد الامني. الا ان الامور حاليا اختلفت نسبيا عن السابق. اذ إن تدخل سوريا مباشرة في موضوع المحكمة من خلال صدور المذكرات القضائية السورية اعطى الامم المتحدة كما دولا مؤثرة الضوء الاخضر لأن تدلي بدلوها في الموضوع على أساس ان المسألة لم تعد موضوعا سياسيا داخليا بين فريق يفترض انه متضرر من القرار الاتهامي الذي ستصدره المحكمة ولو أن هذه الدول تدرك جيدا مدى الغطاء السياسي الاقليمي الذي يحظى به "حزب الله" في تعاطيه مع الموضوع وآخر معني بمعرفة حقيقة الاغتيالات. بل ان الدخول السوري على الخط برّر دخولا دوليا من باب اعادة التذكير بالقرارات الدولية التي أنشأت المحكمة وعدم القدرة على المس باستقلاليتها او التاثير فيها. وقد تتالت المواقف الدولية على هذا الصعيد في ما بدا ردا حاسما على كل الحملات التي استهدفت المحكمة في الاشهر الثلاثة الاخيرة على الاقل. وختمها موقف لمساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان الذي لم يكن لبنان مدرجا في جولته في المنطقة وكانت بمثابة زيارة بين مزدوجين لتأكيد استمرارية المحكمة وعدم السماح للتلاعب السياسي في لبنان بأن يؤثر فيها.
هذه الردود يفترض ان تنهي مرحلة محاولة الغاء المحكمة او تعطيلها او منع صدور القرار الاتهامي او تأجيله لأمد غير معروف. إذ إنها ترافقت مع رسائل قوية الى من يلزم حول ضرورة عدم المس باستقرار الداخل اللبناني كما ترافقت مع رسائل يقول معنيون انها قيلت للمهتمين في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة وهي ان القرارات الدولية الصادرة من أجل لبنان هي مجموعة متكاملة على لبنان التزامها واحترامها وليس من مصلحته او مصلحة أي طرف العبث بأي منها او السماح بالمس بها تحت وطأة تعرضه لأخطار كبيرة. هذه كانت الخلاصة الاساسية منها وان كل ما يجري في الداخل من موضوع ما يسمى "شهود الزور" الى وقف تمويل المحكمة لن يؤثر على هذا الواقع. بل ربما ان هذه الضغوط أعادت الى الاذهان ما تعرض له لبنان في خريف 2004 من أجل أن يعيد الى الواجهة مواقف دولية تتمتع بالحزم نفسه ازاء ما تعرض له وخصوصا ان هذه المواقف أشارت الى تأثير القوى الاقليمية على لبنان ولو من دون تسمية هذه القوى. وقد ترافقت هذه المرحلة مع تبلور اقتراحات حول ضرورة التحضير للتعاطي الداخلي مع نتائج القرار الاتهامي وطريقة معالجة تداعياته بدلا من السعي الى اسقاطه سلفا باعتبار ان هذا الامر لا يمكن حصوله لأنه اسقاط للقضاء الدولي كلا. وهو موقف عبّر عنه بقوة السفير السعودي علي عواض عسيري وقد ووجه برد فعل قوي من "حزب الله" باعتبار ان التعويل كان قويا أقله كلاميا على جهد تبذله المملكة العربية السعودية لتأجيل القرار الاتهامي لمدة طويلة. وهذا الامر بدأ يسلك طريقه اكثر الى المنطق الذي يتحدث به ممثلو بعثات ديبلوماسية عدة في بيروت رأت في صدور التقرير الثاني عشر للأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون عن تنفيذ القرار 1559 سبيلا لأن يدرك اللبنانيون مجددا ان محاولة المعالجة الداخلية قد تساعد بعض الشيء في تخفيف تأثير القرارات الخارجية ووقعها. لكن هذه المعالجة لا تحصل عبر ضغوط وتهويل يمكن أن تهدد استقرار البلد.
والسؤال هو هل اقتنع الفريق الذي يواجه المحكمة بضرورة بدء العمل على مرحلة ما بعد القرار الاتهامي علما ان الفكرة تدور في عدد كبير من الدوائر والمجالس منذ بعض الوقت وهل من تقويم لمرحلة الاشهر الثلاثة الاخيرة وما اذا تحقق أي تقدم على هذا الصعيد خلالها؟
تكشف بعض الاوساط الديبلوماسية ان هناك عملا جرى لدى "حزب الله" في هذا الاطار وبقوة ولا تستبعد ان يكون هذا الامر بدأ يسلك طريقه بعض الشيء ولو ان غبار المعركة في الوضع السياسي حول ملف "شهود الزور" وما اليه يحجب الرؤية او يراد له ان يبقى كذلك من أجل الحصول على مقدار أكبر من الضمانات الداخلية والأهم ضمانات خارجية وابقاء الضغوط السياسية وغير السياسية قائمة لهذه الغاية. وتثير هذه الاوساط تساؤلات اذا كان الحديث عن ذلك يمكن أن يستأنف في أي لقاء يمكن أن يعقد بين الحريري والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله الذي شن حملات على المحكمة اثر محاولة الحريري ان يقدم اليه ما يشبه الضمانات في حال أورد القرار الاتهامي للمحكمة أسماء لأفراد في الحزب. كما تثار تساؤلات من نوع اذا كان ذلك يمكن ان يشبه الضمانات اللبنانية ازاء التعاطي مع القرار 1559 الذي يستمر في تقديم جرعات تذكيرية قوية لا يستهان بها لابقاء الضغط على لبنان في موضوع معالجة سلاح "حزب الله".