الشعوبية هي حركة مناهضة للعرب، نشأت في العصر العباسي وتفشَت في المجتمع العربي، بعد أن سيطر الفرس على الخلافة وبسطوا سلطانهم على امتداد مساحة الأمَة. وكان غرض هذه الحركة الأستراتيجي استعادة المجد المفقود من خلال السعي الى هدم الحضارة العربية بكل مكوَناتها، ولا سيَما العامل الديني، باعتبار أن الأسلام قد حقق عزَ العرب وتفوَقهم.
ولمَا كانت الظروف السياسية الراهنة في البلدان العربية مؤاتية لتنشيط هذه الحركة، وبدت في التفتَت القومي والانشقاقات داخل البنية العربية والصراع على النفوذ وانفراط عقد الوحدة، وكان الفرس "الجدد" توَاقين الى زرع بذور العنصرية والعمل على جعل أرض العرب مباحة للزناة والبغاة، راح هؤلاء المحتقرون للعروبة والمناوئون لتوجَهاتها، وبشكل فجَ، يسترجعون منشأ شعوبيتهم أي الحقد الذي كان يضمره الفرس المغلوبون للعرب الغالبين. وكانت البداية مع تقطيع أوصال الأمة وفق العنصر البشري المكوَن لها، من خلال تأليب الشيعة على أهل السنَة، وتأجيج التوجَه الطائفي والعرقي، وتنشيط الأصطفاف المذهبي على الساحة العربية. والغرض من هذا السلوك فرض هيمنة أيرانية على المنطقة اعتمادا على تغيير المعادلات السياسية والتوازنات داخل الأقطار العربية. وقد تحقَق لهم بعض النفوذ المتنامي عن طريق الحركات الطائفية التي رفعت شعار النضال والمواجهة من أجل القضية الفلسطينية، هذه الحركات أصبحت مطيَة للنظام الفارسي، فقدَمت له في الواقع أكثر مما قدَمت لقضية فلسطين نفسها.
إنَ هذا النظام الذي يحلم في عودة الأمبراطورية الفارسية تحت مسمَيات جديدة،
مارس خطابا تعبويا قائما على اتهام الأنظمة العربية بأنها مستتبعة للغرب الأمبريالي، وشتم القيَمين عليها لتقاعسهم خلال حرب تموز 2006 وحرب غزَة، فسلَط الضوء على المساهمة التي قدَمها للمجاهدين المقاومين، ما كرَسه في نظرهم بديلا عن الأنظمة الأستسلامية وداعما للشعوب المضطهدة. والهدف هو تقديم صورة عن أيران الأمل والخلاص في محاولة واضحة لتتويج الفرس قادة للأمة العربية والأسلامية.
أما في ما يتعلَق بلبنان، فيشدَد النظام الفارسي على أبقاء لبنان كيانا مريضا وهزيلا، ما يضمن أستمرار عمل "حزب الله" وكيله كذراع عسكرية على شاطئ المتوسط. وقد عمل على أيصال شرارة المواجهة الطائفية الى بلادنا بعدما أشعل نيرانها في العراق منذ ثلاثين عاما، علَه بذلك يأمل في توسَعها لتحرق البلدان العربية، فيتحقَق له فرض هيمنته على المنطقة بأسرها، ويتخلَص بالتالي من عقدة النقص التي لازمت الشعوبيين منذ ما قبل العصر العبَاسي. وما دفاعه عن ميليشيات القتل الطائفي في العراق، وعن حراك "حزب الله" في لبنان وعن تيار الحوثيين في اليمن، وعن حركة "حماس" في فلسطين، الاَ لصبَ الزيت على نار الأنقسامات العربية التي تؤدَي حكما الى ضعضعة الأنظمة وأضعافها.
انَ الفتن الداخلية الطائفية في صلب دول المنطقة تشكَل بالنسبة لنظام أيران واحدا من سلاحين يمكَنانه من بسط سيطرته عليها، أمَا الثاني فهو امتلاكه السلاح النووي الذي يجعله "قوة عظمى" أقليمية تفرض على المجتمع الدولي التعاطي معه على أساس أمساكه بأمن المنطقة، وكمفتاح ألزامي للحلول والتسويات. فيأفل بالتالي نفوذ العرب ويشفي الشعوبيَون غليلهم وما يضمرون من ضغينة للعروبة وأهلها.