يكوي الغلاء الشارع الفرنسي. فرنسا ليست فقط ما نقرأه في مجلاتها، عن شهر الموضة العالمي الذي انطلق بداية تشرين، وعن كارل لاغرفيلد المصمم الشهير لدار شانيل للازياء الراقية، ولا عن هوس كاترين دونوف بالمصمم الراحل ايف سان لوران، ولا عن تهافت نجوم هوليوود لحضور عروض الازياء الرائعة، ولا صراع السلطة بين نساء نيكولا ساركوزي، زوجته كارلا بروني ووزيرة العدل السابقة رشيدة داتي، وزوجته السابقة سيسيليا ماتياس… في الشارع الفرنسي الان، تدور نصف ثورة شعبية عارمة، قد تتحول الى ما يشبه الثورة الطالبية عام 1968، انما هذه المرة الثورة عمالية، بسبب الارتفاع الجنوني لاسعار المحروقات، وقانون التقاعد الذي أقرّته الحكومة منذ فترة، ومطالب عمالية اخرى. المواصلات في أحلى عواصم اوروبا معطلة، وغيرها الكثير من القطاعات.
هم لا يختلفون عنا كثيرا، يعملون مثلنا من الفجر للنجر، مع فارق بسيط كبير، نحن نعيش كل يوم فضيحة على مستوى فساد المسؤولين. يعرف بها الاعلام. تضج بها الاروقة والشارع. وفي صباح اليوم التالي، يذهب المسؤول كالعادة الى مكتبه، يمارس منصبه ونصبه اليومي على المواطنين، ويكدّس بدل الثروة ثروات، وينام قرير العين، وكذلك الشارع. ارتفعت صفيحة البنزين 500 ليرة. ارتفع سعر ربطة الخبز ونقصت الربطة رغيفا. لم نعرف لماذا ومن قرر ذلك، ولاي سبب وما الظروف. نشتري بدل الربطة اثنتين، "نفوّل" الخزان بالوقود. تنضب وقود الكرامة فينا، تنضب المدّخرات. نذهب كالاغنام كل صباح الى العمل، ونعود.
أثبت الشعب الفرنسي انه أيضا شعب ثائر، وليس مجرّد "جهلان" يلاحق اخر صيحات الموضة. نحن كذلك، شعب ثائر وجهلان، لكن الفارق ان السياسة هي وقودنا ومحرّكنا. من اجلها ننسى كل "التفاصيل" الاخرى، مهما كانت كبيرة. نتناسى ما يجري من فضائح جديدة وموروثة في وزارة الاتصالات، وفي وزارة الطاقة، وفي أموال الجنوب، وفي وزارة الزراعة والسياحة…
الفرنسيون يستيقظون فجرا وكل يوم على صوت المنبّه، للوصول باكرا جدا الى المترو والباصات، وحجز اماكنهم للذهاب الى العمل. نحن نستيقظ على غناء وئام وهاب، ودندنة حسن نصرالله، وزعيق ميشال عون، ونعيق جميل السيد… هؤلاء وحدهم يشكّلون الوقود الكافية، لاشتعال أكبر ثورة لتحرير البلاد من أصواتهم.
نحن معذورون. اهتماماتنا وانشغالاتنا في غير مكان، ولن تتغيّر حتى لو أصبح سعر صفيحة البنزين، أغلى من الجلوس، وجها لوجه في جلسة أُنس نادرة مع … ميشال عون مثلا!
حركة الستينات الطالبية أسست للكثير مما عليه فرنسا اليوم. الحركة العمالية مختلفة، وان كان بعض من يتحرّك ويحتجّ ويتظاهر، الكثير من الطلاب.
في لبنان لا تمييز في شيء. عام 2008 ومن تحت جسر البربير، انطلقت حركة عمالية مقنّعة، لتصبح أحداث 7 ايار الشهير. هم لا اتحاد عمالي عام لديهم، يرأسه أحد الموالين لـ "8 اذار" وينتمي للحزب السوري القومي. هم لا يعرفون بهذه التسميات. هم ليسوا ملطوشين بمرض السياسة. نحن مغرومون بالسياسة. كل شيء لخدمة السياسة فالانسان. في فرنسا الانسان أولا واخرا، وتمر عبره السياسة لخدمته وليس لخدمة الزعماء. أساسا لا زعماء لديهم بمفهومنا العربي "المتحضّر". زعيمهم من صدق بوعوده الانسانية والاجتماعية. في أقل من سنة تحوّل ساركوزي، رئيس الجمهورية الاكثر شعبية، الى الرئيس الاقل شعبية، لانه لم يلبّ مطالب شعبه الاجتماعية. لا يخجلون من التعبير عن استيائهم علنا. الرئيس لخدمة الشعب والجمهورية وليس العكس. نحن يتربع الزعماء والرؤساء فوق أكتافنا، يندلقون ينهرقون بكل راحة واسترخاء فوق أجسادنا، يحتلّون المساحات حتى المحرمة منها، بينقطع ضهرنا ونقول خي شو هالنعمة!
الفارق كبير. باريس تعيش ثورة المطالب الاجتماعية، وتنزل الى الشارع، بسلاح حُلل منذ أيام الفراعنة، أي التظاهرات، ونحن، ولفترة ظنينا اننا بتحقيق ثورة على قدّنا، حررنا ما حررناه، علّنا نعود ونلتفت الى حاجات الانسان المتحضّر، واذ بنا نقف على شباك الدنيا، نتنقوَز على الاخرين، نتسلل الى يومياتهم ونحسدهم، لانهم لا يتصبّحون بما نتصبّح به يوميا، والغريب اننا نحسدهم أكثر على أزماتهم، وليس مثلا على هناء العيش لديهم، لان أزماتهم وتحرّكاتهم الشعبية، تحصد لهم حقوقا مستحقة، ونحن تحصدنا الحقوق غير المستحقة، كل يوم كل ساعة على بيادر الفضائح.
أحسدك باريس.