#adsense

… مع الرئيس ميشال سليمان في يومه الأول

حجم الخط

… مع الرئيس ميشال سليمان في يومه الأول

بعد طول انتظار، يُنتخب اليوم العماد ميشال سليمان رئيسا للبنان بصفته نقطة تتقاطع عندها الخيارات الكبرى المتعارضة في البلاد. وعهد الرئيس المقبل سيكون صعبا للغاية جراء الانقسام الكبير، لا بل الصدام الذي بلغ حد لجوء فريق من اللبنانيين الى السلاح في محاولة لفرض خياراته على بقية الافرقاء الداخليين، وقد نجح في ذلك الى حد ما.

اليوم ينتقل ميشال سليمان من قيادة الجيش الذي أبلى فيها بلاء حسنا في موقع الوسط، واحيانا بالغ في الوسطية كما حصل خلال غزوة بيروت الاخيرة عندما اعتدي على المدنيين العُزّل، وجرى احتلال مدينتهم من دون ان يجدوا امناً شرعياً يدافع عنهم. ومع ذلك نريد ان نصدق ان امامنا عهداً جديداً، من اولى حسناته انه يقطع مع العهد الاسود الذي سبقه، فلا يعود قصر بعبدا مكتباً فرعياً من مكاتب الاستخبارات السورية في لبنان، ولا يعود القصر منبذا لساكنه في طلاقه مع بيئته ومختلف البيئات اللبنانية اللهم عدا بيئة "حزب ولاية الفقيه" الاسبارطية الضيّقة التي نعرف انها لا تنسحب على كل البيئة الشيعية.

ومن حسنات الرئاسة الجديدة "المرتجاة" انها لن تعود الى اعتبار التسطيح نشاطاً فكرياً، ولا الكسل فضيلة، ولا النميمة حسنة، ولا الاغتيال المتعدد الجنسية شأنا بوليسيا محليا. كما انها لن تعود الى اعتبار الموقع الرئاسي موقعا رديفا صغيرا يحتمي من نور الديموقراطية بعباءة الامين العام لـ"حزب ولاية الفقيه". نقول هذا من دون ان يكون مطلبنا ان يناصب الرئيس الجديد هذا الحزب العداء، بل على النقيض، فالرئيس الجديد سيكون مفوضا إقامة علاقة خاصة وايجابية بالحزب الذي يمثل مشكلة المشاكل في لبنان، لثقل وطأته على الكيان برمته، وعلى الصيغة، والنظام، ونمط الحياة في كل مكان. وسيتعين على الرئيس الجديد ان "يناضل" في كل اتجاه من أجل ان ينتزع المكسب تلو المكسب للدولة الواحدة، ولمؤسساتها السياسية والأمنية والعسكرية. المطلوب ألت يقع الرئيس الجديد رهينة الابتزاز، او الترهيب، او البروباغاندا المقاوماتية.

ان الرئاسة يا فخامة الآتي الى الرئاسة، حقا لم تعد مسألة بسيطة. فهي إما ان تكون مدخلا الى مسار توافقي متنامي، وإما أن تكون الهوة السحيقة التي تباعد بين لبنانَيْن فتلتهم ألق الرئاسة والرئيس بسرعة البرق.

فأمام الرئيس الجديد جملة ملفات شائكة هي اشبه بألغام قابلة للانفجار بين يديه. امامه ملف العلاقات اللبنانية – السورية من ترسيم الحدود والاعتراف بلبنانية مزارع شبعا، الى العلاقات الديبلوماسية، فاستعادة التنظيمات الفلسطينية المسلحة التابعة للنظام السوري. وأمامه ملف المحكمة الدولية الذي، وللتذكير، لا يتوقف على قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، انما يتعداها الى قادة استقلاليين اغتيلوا خلال دفاعهم عن لبنان واستقلاله.

وامام الرئيس الجديد قبل كل شيء ان يجاهد لاستعادة الثقة الشعبية بمؤسسة الجيش بصفتها الحامي الأول والاخير لكل لبناني ولبنانية، على قاعدة انه ليس مقبولاً التحجج بأن ما يجري هو حرب اهلية لترك الناس تقع فريسة غزوات من هنا واجتياحات من هناك. فالأمن إما أن يكون حقيقيا وإما لا يكون، فيذهب اللبنانيون من كل البيئات الى ابتكار أمن خاص بهم. والجيش إما ان يكون المؤسسة الأم فوق كل حالة تنظيمية مسلحة أكانت "استراتيجية" أم "امنية" فينصبّ الجهد حقيقة على ابتداع صيغة سياسية وطنية لخضوع السلاح المليشيوي، أياً تكن الشعارات التي يستظلها، لسلطة الشرعية، وإما ان تتأسس صيغ لأمن طائفي فيديرالي سرعان ما يأكل الدولة. ويقيننا ان تجربة بيروت الاخيرة هي الحد الفاصل بين عودة جدية للأمن الشرعي، وبدء تراجع الأمن المليشيوي رضائيا لمصلحة الشرعية، أو يصير عهد الرئيس ميشال سليمان خاتمة عهد الدولة والمؤسسات بعد كل ما حصل.

إننا إذ نهنئ الرئيس ميشال سليمان على انتخابه هذا المساء رئيسا ثانيٍ عشر للجمهورية، لا نحسده حقيقة على ما هو مقبل عليه من صعاب، لأن الرئاسة من فوق هي غير الرئاسة من تحت!

المصدر:
النهار

خبر عاجل