ليس مفاجئا ان تقف دمشق بجانب "حزب الله" في الحملة على المحكمة. بل ليس مفاجئا ان يكون قرار تكليف "حزب الله" فتح الحملة على مصراعيها وايصال البلاد الى حافة الهاوية سورياً في جانب منه باعتبار ان من يروج فكرة خروج سوريا – الحكم من دائرة الاشتباه بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري يخلط بين ما هو اتهام سياسي، وقد جرى سحبه، وما يمكن ان يتضمنه القرار الاتهامي من ادلة وقرائن ومعطيات حول الموضوع. فهل استبعد الحكم السوري او افراد منه من دائرة الاشتباه؟ هذا ما لا نعرفه. وهذا ما سيتبينه لبنان وسوريا والعالم عند صدور القرار الاتهامي في الجريمة. وعليه فإن الزعم ان ثمة من وجه اتهامات سياسية الى طرف ثم اعلن سحبها يشكل تبرئة مسبقة وتامة هو مغالطة كبرى. فمع وضع الاتهام السياسي جانبا يعود الجميع الى مربع البراءة حتى تثبت الادانة. هذا ما ينطبق على السوريين لغاية صدور القرار الاتهامي وفي ما بعده المحاكمات اذا ما جرى توجيه تهم الى مسؤولين سوريين.
بالنسبة الى "حزب الله" المندفع في حملة داخلية تكاد تضع البلاد على شفير الانفجار، فإنه بمطالبته المسبقة بنسف المحكمة برمتها، وبوضعه دفتر شروط غير معقول محاولا فرضه على القوى الاستقلالية، فإنه يتجاهل حقيقة اساسية هي ان اي اتهام لم يوجه الى عناصر منه، وان عرقلة المحكمة بدءا من تأجيل القرار الظني ليس في متناول اي فريق لبناني عربي او حتى دولي، علما ان الموقف الدولي لم يتغير لناحية حماية المحكمة ، في حين ان الموقف العربي الذي جرت خلخلته ببيع الاوهام هنا وهناك عاد الى مربع الدفاع عن المحكمة والدعوة الى التعامل مع النتائج. و"حزب الله" يبدو هنا جهة تعيش خارج هذا الزمن، وتتوهم ان الاستقواء بالسلاح على اللبنانيين العزل يتيح لها نسف النظام الدولي برمته بدءا من مجلس الامن. حقا حبذا لو يتواضعون قليلا.
لقد طرحت في الآونة الاخيرة فكرة التنازل طوعا عن معرفة حقيقة من قتل الحريري ورفاقه وبقية شهداء الاستقلال على قاعدة حفظ سلامة الوطن وحمايته والعيش المشترك فيه. والحق ان هذا الطرح بالتحديد ينطوي على اعتراف مبطن بهوية الجهة او الجهات التي اغتالت الحريري والآخرين. والسؤال هل المطلوب القبول بالتفريط بالحقيقة وبالعدالة على قاعدة موازين القوى؟ وكيف يمكن رفض حق القوة الذي فرضته اسرائيل ستين عاما ومقاومته، في وقت يجري منع قوة الحق من ان تسود مجتمعاتنا العربية؟
ان من يدّعون المقاومة لاستعادة الحقوق المسلوبة في لبنان وفلسطين والجولان، حري بهم الا يقفوا في وجه ادنى الحقوق الانسانية لمواطنيهم، فلا تبقى جريمة من دون حساب، ولا يبقى مواطن عربي مسلوب الارادة والكرامة والحرية والحق بالعدالة.
ومن يرفض العدالة بين اهله لا يبحث عنها عند الآخرين.