ماذا تحقق للمسيحيين في الدوحة؟ العامل الجديد عودة رئاسة الجمهورية
ماذا تغير في المشهد السياسي بعد مؤتمر الدوحة، وهل حقق المسيحيون شيئا من مطالبهم، ام انهم سيستمرون في وتيرة المناكفات والجدل العقيم في ما بينهم حول الخيارات الوطنية وآلية تحقيقها؟ يرى احد الباحثين المهتمين بقوانين الانتخاب، ان الانجاز الوحيد الذي حققه المسيحيون نتيجة الازمة الاخيرة كان انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، والعودة الى "ترويكا" القيادة الثلاثية للحكم في لبنان بعدما كان بعضهم بشّر بأن الرئيس اميل لحود هو آخر رئيس مسيحي للبنان. لكن هذا "الانجاز" في رأيه لا يخفي استمرار مأزق التمثيل النيابي المسيحي معلقا، ذلك ان ما تحقق لا يزال قاصرا عن تأمين صحة تمثيل هذه الجماعة الاساسية التي تمثل نحو 35 الى 40 في المئة من الشعب اللبناني في حين ان قانون الانتخاب الحالي لا يلحظ لهم هذه الحصة.
وفي رأي الباحث ايضا، ان ادعاءات الانتصار لهذا الطرف او ذاك، لا تقدم ولا تؤخر لافتراضه ان المسيحيين موجودون في الاشرفية وحدها، أوان ان أبناء منطقة دير الاحمر وبعلبك (30 الف ناخب) وصغبين ومرجعيون وجزين هم ابناء طائفة اخرى ولا يحق لهم في صحة التمثيل، وعليهم تالياً المقاطعة او تجيير اصواتهم الى نواب الطوائف الاخرى الى ما لا نهاية، او ان يكونوا شهود زور على الانتخابات برمتها. والأنكى ان القيادات المسيحية في الدوحة صرفت الكثير من الوقت على البحث في مسألة تعزيز المشاركة في الدولة في حين لم تقدم اجابات مقنعة للرأي العام عما يطرح من تساؤلات، مثل: ما هو مصير المقعد الماروني في طرابلس، وهل سيبقى هناك رهينة لدى الارجحية السنية ام سينقل الى البترون وهل انتهى هذا الموضوع مع ختام اعمال مؤتمر الدوحة؟ ولماذا لا يخصص مقعد للموارنة الذين يتكاثرون في أنحاء الكورة وتشكل اصواتهم قوة لا بأس بها (11 الف ناخب)؟ ولماذا يجب ارضاء الارمن والشيعة في بيروت في حين لا ارضاء للمسيحيين في دير الاحمر؟
وثمة سؤال آخر يطرحه أبناء الاقليات المسيحية من سريان وكلدان واشوريين واقباط وهم لبنانيون قبل كثر من حاملي الجنسية: لماذا يستمر مقعد الاقليات في الدائرة الثالثة رهينة لدى الطوائف غير المسيحية، علما ان عدد ابناء الاقليات المقيمين في انحاء المزرعة والمصيطبة لم يعد كبيرا وقد غادروها الى المناطق الشرقية. وتاليا فمن الاجدى التعامل مع هذا الوضع الجديد. وثمة سؤال ايضا عن مصير المسيحيين في جزين وشرق صيدا (نحو 50 الف ناخب) ولماذا لا يعاد رسم دائرة خاصة بهم في معزل عن كتلة الناخبين الشيعة النامية في سرعة كبيرة في انحاء الريحان وعرمتى ومليخ وهي امتداد طبيعي لمناطق اقليم التفاح ذات الكثافة الشيعية العالية؟ وما يصح على جزين وضاحيتها ينطبق ايضا على الوجود المسيحي في المنطقة الواقعة الى الغرب من مجرى نهر الليطاني ابتداء من قب الياس وانتهاء بصغبين ومنطقتها وهي ناحية ذات حضور مسيحي مهم (نحو 20 الف ناخب)، لكن اغراقها في الكتلة السنية الضخمة الموجودة الى الشرق من مجرى نهر الليطاني يعني مصادرة التمثيل المسيحي او الهيمنة عليه الى ما لا نهاية. علما ان المسيحيين في مختلف هذه المناطق، محرومون فعلا ويحتاجون الى تحقيق تمثيل نيابي صحيح يمكنهم من الفوز او الحصول على المكاسب التي "تتنعم" بها الطوائف الاخرى، ان في التوظيف في المؤسسات العامة او الخدمات وإن تزفيت الطرق وادنى الامور الحياتية وجملة المنافع التي يستطيع النواب تقديمها الى مناطقهم.
هذا في المناطق الريفية، اما في جبل لبنان والشمال فالامور ليست ايضا بهذه السهولة، حيث تجد القوى المسيحية المختلفة نفسها في مواقع صعبة خصوصا في عكار والشوف وعاليه وفي اي قضاء يتمثل بنائب مسيحي من دون قاعدة مسيحية مهمة، ذلك ان انقسام الناخبين المسيحيين بين فريقي المعارضة والموالاة وتشتتهم بدلا من التقدم حزمة واحدة الى الانتخابات، سيؤدي الى نتائج لا يستسيغها قسم لا بأس به من المسيحيين، الذين قد يعتبرون الامر هزيمة لخياراتهم. وهذا هو الوضع بين مسيحيي عكار الموزعي الولاء بين حزب "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" والزعامات التقليدية والتي ستخوض الانتخابات متحالفة مع القوى الاخرى الاقرب الى توجهاتها السياسية. والأكيد ان نتائج الكثير من هذه المعارك الانتخابية محسومة سلفا ولا يحتاج المرء الى كثير من التحليل ليدرك مثلا ان الاحزاب المسيحية المنضوية في تحالف 14 آذار قد تحقق نتائج مهمة بالتحالف مع "تيار المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي، في حين سيتعين على "التيار الوطني الحر" التفاهم مع حليفه الصعب المراس في المعارضة، أي الحزب السوري القومي الاجتماعي على رزمة من المقاعد التي يمتلكها القوميون حاليا والتي يطمح العونيون الى الامساك بها، في بعلبك – الهرمل ومرجعيون – حاصبيا او في الكورة التي يحظى فيها العونيون بحضور لا بأس به أسوة بالقوميين الموجودين تاريخيا هناك، والذين لن يتنازلوا بسهولة عن تمثيلهم النيابي على رغم التحالف العميق بين "التيار" وقوى المعارضة، خصوصا ان القوميين قادرون على تجيير الاف عدة من الاصوات الى مرشحي "التيار" الذين يحتاجون اليها في مناطق حساسة جدا ومفصلية مثل المتن الشمالي حيث يتوقع ان تدور "ام المعارك"، بين العونيين وحلفائهم والقوى المناهضة للامساك بالتمثيل المسيحي.
ويقول احد نواب جبل لبنان، ان انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا قد يستعيد تجربة الرئيس فؤاد شهاب في انتخابات 1964 عندما استطاع الحصول لنوابه على 70 في المئة من أصوات المسيحيين، وكان ان تحالف مع الشيخ بيار الجميل في مواجهة الرئيس كميل شمعون، وتحولت الكتائب ركيزة اساسية في الدفاع عن عهده وتأمين الدعم الشعبي له. وفي رأي النائب ان الرئيس العماد في وضع مشابه نسبيا، فهو امام ثلاثة زعماء يمسكون الشارع المسيحي: أمين الجميل، ميشال عون وسمير جعجع. وفي رأيه ان الكتائب ستسارع الى الالتفاف حول رئيس الجمهورية انطلاقا من النظرية التاريخية التي ارساها مؤسسها بيار الجميل ان الكتائب هي ذراع رئاسة الجمهورية وسندها، في حين ان "التيار الوطني الحر" سيواجه مشكلة بنيوية تتمثل في ان جمهوره العريض هو من "حزب الجيش" الذي يقف تلقائيا بجانب الشرعية ورئيسها الماروني ويعتبره المدخل الطبيعي الى حماية الحضور المسيحي في لبنان. اما حزب "القوات اللبنانية" فسيعمل في رأيه على حفظ استقلالية خطه السياسي ودعم ما يعتبره المواقف السيادية لرئاسة الجمهورية على المستوى الوطني، والقضايا الوجودية على مستوى الشراكة الوطنية. ويعني ذلك في المحصلة ان ثمة عاملاً جديداً في المعادلة المسيحية هو رئيس الجمهورية الذي ربما قد يسعى الى دعم عهده بكتلة نيابية مهمة تساند خياراته وتوجهاته.