لبنان وذاكرة التاريخ الضرورية
رندة تقي الدين
رندة تقي الدين
«الحديث عن المستقبل لا يعني تجاهل الماضي، وأنا مقتنع بأنه من أجل بناء مستقبل افضل علينا ان ننظر الى الماضي وان نواجهه. فهذا ما قمنا به في أوروبا، وهذا العمل على الذاكرة، جئت لاقترحه اليوم على الشعب الجزائري».
هذه الكلمة ألقاها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمام أرباب العمل الفرنسيين والجزائريين في المحطة الأولى من زيارة الدولة التي يقوم بها الى الجزائر، لكنها تنطبق ايضاً بقوة على التطورات في لبنان.
فكم كانت هذه الكلمات في محلها لو أن الرئيس الفرنسي وجهها أيضاً في رسالته الى العماد ميشال عون وحلفائه من رئيس المجلس النيابي نبيه بري الى «حزب الله».
فلبنان اليوم لا يزال من دون رئيس، واعتصامات المعارضة ما زالت تشل اقتصاد البلد وعصبه التجاري، فيما نحن على أبواب أعياد الأضحى والميلاد، فيما العماد عون وحلفاؤه ما زالوا يعرقلون الانتخابات الرئاسية. فمعظمهم موافق على شخص المرشح العماد ميشال سليمان، لكنهم يطرحون شروطاً تعجيزية تظهر عدم رغبتهم في إجراء انتخابات رئاسية.
ومع الأسف فإن «العمل على الذاكرة» غير وارد في لبنان. وعندما يطرح العماد عون شروطاً تعجيزية فإنه لا يتذكر الحرب بين الاطراف المسيحيين في لبنان، ولا يتوقف عند هذه الحرب التي كانت مريرة على لبنان وشعبه. أما رئيس مجلس النواب، فلو وافق على تقويم الحكومة لمشروع تعديل الدستور ودعا الى جلسة لتعديله لكان أنقذ الوضع في لبنان بإجراء انتخاب رئاسي.
لقد اتصل ساركوزي بالرئيس السوري بشار الأسد ليقول له ان هناك مرشحاً توافقياً في لبنان هو العماد سليمان وانه ينبغي على الاسد ان يدفع حلفاءه على الأرض نحو عدم التردد والتباطؤ. وسورية تحتج بعائق ميشال عون، وكأنه العائق الوحيد. لكن المشكلة الحقيقية هي المحكمة الدولية. والفراغ الدستوري ثم الفوضى والحرب الأهلية هي السبيل الوحيد لتجميد هذه المحكمة.
فما هو الثمن الذي ينبغي ان تدفعه فرنسا لسورية لقبولها بانتخاب رئاسي في لبنان؟ وهل هذا الثمن هو عودة سورية الى الأسرة الدولية؟ مع أن سورية عادت في كل الأحوال. فها هي أوروبا ترسل وزراءها منذ أكثر من سنتين الى دمشق للتحاور معها. وها هي الإدارة الاميركية تدعو سورية الى انابوليس. وها هي فرنسا تدعو وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى باريس في 17 كانون الأول (ديسمبر) الحالي لحضور مؤتمر الدول المانحة التابع لأنابوليس. وها هي فرنسا ايضاً على وشك توجيه دعوة الى الأسد للمشاركة في قمة الاتحاد المتوسطي المقررة في 11 و12 حزيران (يونيو) المقبل في مرسيليا. فهل تقبل سورية ثمناً في لبنان أقل من تجميد المحكمة الدولية؟
عندما زار الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان الرئيس الأسد فاجأه الأخير عندما أثار معه مسألة المحكمة الدولية بقوله انه مدرك ان المحكمة موجودة وهي واقع يعترف به. فلم تكن في نية الموفد الفرنسي إثارة هذا الموضوع الحساس معه، لكن الرئيس السوري أثار الموضوع من تلقاء نفسه. وهذا كله يشير الى ان سورية وحلفاءها في لبنان يريدون ثمناً أكبر مما حصلوا عليه دولياً. فإذا وافقوا على اجراء انتخابات رئاسية، فإنهم سيواصلون التعطيل بشكل أو بآخر.
لكن على السياسيين اللبنانيين ان يستحضروا دائماً ذاكرتهم. فبالنسبة الى «حزب الله» والمقاومة، أليس هناك تخوف من تكرار التحالفات السورية خلال سنوات الحرب اللبنانية، ومن الحديث عن «ثقة» اسرائيل بقدرة سورية على لجم المقاومة اللبنانية؟ فعندما صدر القرار 1559 استدعت السلطات الاسرائيلية أحد المسؤولين الفرنسيين لتقول له: «انتم مجانين، فالنظام السوري في لبنان أضمن بكثير لاسرائيل وللجم حزب الله من أية حكومة لبنانية».
ذاكرة الحرب اللبنانية والتحالفات الماضية ينبغي ان تبقى في الأذهان من أجل التطلع الى المستقبل والتوافق الحقيقي ووحدة الصف وتخفيف معاناة شعب شبع من التعطيل والأزمات الاقتصادية.