في عملية عصر فكري سريع للوضع اللبناني منذ تحول البندقية المقاومة لـ"حزب الله" الى الداخل اللبناني وانغماس هذا الحزب في تحالفات ضيقة وفئوية واصطفافات مذهبية وسياسية لا تليق بالصورة التي لطالما ادعى انه يبني عليها اجماعا لبنانيا على مقاومته اسرائيل – وقد كان وحتى سنة 2000 رمز اجماع وطني وكرامة كل اللبنانيين ومحط احترام وتقدير من كل اللبنانيين لشهدائه في وجه الاحتلال الاسرائيلي – نستطيع الخروج بتوصيفات عدة للمعادلة الاشكالية التي اصبح الحزب اليوم اساسها ومنها عقدة الحزب في علاقاته مع المكونات اللبنانية الاخرى لا بل مشكلة الحزب في القبول بصيغة 1943 وبعدها صيغة الطائف … رغم ما يزعمه من تأييد ومطالبة بتطبيق الطائف (الذي لو صح مثل هذا الزعم لوجب على "حزب الله" ان يكون اول المبادرين الى تطبيقه وهو الذي ساهم مباشرة في افشال اتفاق الطائف كما يسعى اليوم الى افشال اتفاق الدوحة الرديف).
فالحزب ومعه كوكبة من حملة الاحقاد والضغائن الموروثة من مدارس التوتاليتارية العقائدية العلمانية والبعثية والشيوعية الماركسية والمطلقية في عبادة الزعيم الاوحد والشخص الاوحد والرمز الاوحد لامةle culte personne de la ( مع ان التوجه الحديث في علم السياسة والدستور هو حكم المؤسسات والتوسع الديمقراطي والتطوير التنموي للشعوب كي تتعلم وتتثقف وتصبح مالكة مصائرها بيدها بدل الاستمرار في اتباع شخص او زعيم او قائد ليس بابدي ولا ازلي ولا سرمدي ) – لديه مشكلة عقائدية المنبع وسياسسة الاهداف في القبول بالاخر – بالشريك اللبناني الاخر – وان قبل به فانه يريده على حسب دفتر شروطه هو. وهذا بالضبط ما تبين من تطويع الجنرال عون وتياره من خلال مذكرة التفاهم بغض النظر عن مضامينها المؤذية للكيان وللمسيحيين (في اعطاء الغطاء المسيحي لحزب يدين بولائه لنظام خارجي لا بل لمنظومة حكم وعقيدة سوسيو- دينية متكاملة غريبة عن التراث والتاريخ اللبنايين).
فـ"حزب الله" ارتكب في هذا الاطار ولا يزال خطئتين استراتيجيتين ممييتن لموقعه في الصيغة اللبنانية التي قام عليها لبنان منذ 1943 والى اليوم مرورا بالطائف:
1- من جهة ضرب صيغة العيش المشترك من خلال استسهاله معاداة فريق من اللبنانيين لحساب فريق اخر على اساس نشر ثقافة عدم الثقة بالاخر في الوطن. فالحزب الذي كان يمكنه الاستفادة ايجابا من التحلق اللبناني المجمع (ولو على درجات) حوله ليكون عنصرا موحدا ولاعبا ايجابيا في تعزيز الانصهار اللبناني الداخلي في وجه العدو الاسرائيلي، هذا الحزب تنازل عن دوره واختار الاصطفاف الداخلي – ولعل في ذلك الدليل الاول على عدم لبنانية سياسته ودوره كما جاءت في ما بعد الوقائع والحقائق لتثبته واخرها زيارة الرئيس الايراني الى الضاحية وبنت جبيل فضلا عن الاستقبال الشعبي (الشيعي – الحزب اللهي حصريا ) على طريق المطار – وصولا الى قبوله الاصطفاف المذهبي وليس فقط السياسي نهجا واسلوبا وكانت احداث 7 ايار خير شاهد …
فالحزب لم يعرف كيف ينأى بنفسه عن الصراعات الداخلية اللبنانية ويلعب الدور الجامع الذي كانت تخوله اياه وظيفته المقاومة بالاضافة الى ثقة الاطراف كافة في مرحلة ما قبل 2006 بشخص وقيادة السيد حسن نصرالله للحزب.
2- بنى الحزب عقلية مواجهة داخلية لا ترفض تصفية الاخر الشريك في الوطن ولا تعتبر القمع بالسلاح وقوته بين اللبنانيين خطا احمر – وكأن الحزب في محاولته قلب هذه التوازنات والمعادلة الحسابية الدقيقة في التركيبة اللبنانية ينم عن جهل للمعادلة اللبنانية التي نشأت على انقاض مخاض الاقرار بالشخصية اللبنانية الفريدة منذ القرون الوسطى في جبل لبنان مرورا بالمتصرفية وبنظام جبل لبنان وصولا الى عهد الاستقلال والطائف.
فالمواجهة الداخلية بين اللبنانيين التي يستسهلها "حزب الله" وحلفاؤه اليوم تعني عمليا وسياسيا وميدانيا اعادة عقارب الساعة الى الوقت الذي كانت الاقليات تشعر فيه بالخوف على مصيرها وترتمي في الاحضان الاجنبية لحمايتها فيكون لكل طائفة ومذهب دولة اجنبية تحميها – و"حزب الله" اول من يدفع عندها ثمن هذه العودة الى ما قبل صيغة الانصهار اللبناني الداخلي والتي انطلقت ميزتها منذ ايام الامير قرقماز الاول الى اواخر ايام بشير الثالث عام 1843 ، حيث تميزت الصيغة اللبنانية خلال هذه الحقبة بحكم في الجبل متميزا عن سائر الولايات العثمانية يراعي التوازنات الداخلية بين المسيحيين والمسلمين – وعادت وتكرس ذلك العام 1943 بعد قطوعات كانت تنذر بانهيار المحاولة اللبنانية وانهيار التفاهم المتبادل بين اللبنانيين – وكلنا يعلم على سبيل المثال التاريخي ان اعداء الداخل للامير فخر الدين المعني الكبير الذي لعب دورا بارزا في تركيز الشخصية اللبنانية – الذين تحالفوا مع السلطنة العثمانية ساعدوا في اسقاطه – تماما كما يفعل "حزب الله" وحلفاؤه اليوم في الاستقواء بالخارج وبالنزاعات الاقليمية والمحاور لاسقاط الصيغة اللبنانية اي الشخصية اللبنانية التي تفترض قبل اي شيء الاعتراف بالاخر المتنوع والمختلف …
فاستقواء "حزب الله" باي محور اقليمي على حساب الهوية اللبنانية والتباهي بالتبعية للنظام الايراني سواء من منطلق سياسي او عقائدي ديني والتبعية للمحور الايراني – السوري استراتيجيا، هو الاخر يستجر لا محال مع الوقت شعور مقابل بالحاجة الى الحماية لدى الفئات اللبنانية الاخرى المختلفة وبخاصة المسيحيين الذين كان نضالهم عبر الاجيال والتاريخ من اجل قيام دولة لبنانية وهوية لبنانية تكون هي البديل عن الحماية وعن الخوف بحيث تتحمل الدولة مسؤولية صون الانصهار وحماية الحقوق والحريات للجميع ( وليس فقط للاقليات) – خاصة متى عجزت الدولة اللبنانية ومن خلالها المؤسسات الامنية والعسكرية في الدفاع عن الصيغة الفريدة وعن الدولة الضامنة والقادرة على حماية جميع اللبنانيين في ظل الانصهار الداخلي للعائلات الروحية والثقافات المختلفة…
فـ"حزب الله" اليوم من حيث يدري او لا يدري – واغلب الظن انه ليس بغافل عن هذه الحسابات – مدعو للعودة الى التاريخ لاستخلاص العبر من ضرب الانصهار الداخلي من خلال زرع الشكوك وعدم الثقة بين اللبنانيين كما من خلال الافراط في تبيان حجمه وقوته على الاخرين في الوطن … وتجنب الانزلاق في خطأ تاريخي جديد ومميت ان هو استمر في لعب دور القوي والمستقوي على الاخرين في الوطن… لن يرحمه التاريخ… لان الفرض والقمع والاخضاع لم تكن يوما في لبنان سوى اسباب اسقوط اصحابه …
كما على الدولة اللبنانية ان تحزم امرها في اثبات فعاليتها في حماية الكيان وميزاته وخصوصياته، لا بل مبررات قيام الدولة ووجود المؤسسات – في ساعة الحقيقة التي قد تقرب او تبعد – تبعا لحسابات الحزب وحلفائه – ولعل في ذلك قمة فقدان التوازن التي يعيشها اليوم المشهد اللبناني …
فهل ترانا نصل مع الحزب بالحاجة الى اعادة كتابة تاريخية معدلة لصيغة 1943 جديدة على قاعدة لا للشرق الايراني – السوري ولا للغرب الاميركي الاوروبي – العربي؟ ام ان صيغة لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه تجاوزها التاريخ في حساباته ..؟
