#adsense

الثورة والمطلوب رقم واحد

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1702

الثورة والمطلوب رقم واحد

إنقطع التواصل بين السلطة والشعب فحصل الإنفجار

 

مسكين العام 2020، كم هي تركة أخيه ال2019 ثقيلة ومؤلمة! ومع ذلك، فإن العام المودّع أقحم نفسه في التاريخ قبل أن يُكتب التاريخ، لينضم إلى أعوام حفرت عميقاً في روزنامة لبنان الحديث، من الأعوام 1920 و1943 و1958 إلى الأعوام 1975 و1990 و2005.

أما المفارقة فهي أن سنة ال2019 تختلف عن سابقاتها كلها، فالثورة التي اندلعت في السابع عشر من تشرينها الأول، تفرّدت بتخطي مختلف الإعتبارات الطائفية والمذهبية والسياسية والحزبية بنسبة كبيرة، كي تمحض الموضوعية حقها، لتبرز ثورة وطنية شاملة لجهة تنوّع جمهورها وتلاوينه.

والخطأ أن تتم قراءة هذه الثورة وكأنها ولدت من لا شيء، علمًا أنها ليست إلا إنتفاضة على سلسلة تراكمات وسياسات أوصلت لبنان إلى الإنهيار والإفلاس وانتهكت سيادته دولةً ودستوراً ومؤسسات من قبل من ينبغي أن يكونوا حراس السيادة والقيّمين على الوطن ووحدته واستقراره.

فالعام 2019 تسلّم من سلفه جملة أحمال مزعجة، ولكن، وبدلاً من أن يتنبّه معظم أهل السلطة إلى ضرورة الإنكباب الجدي على التخفيف من وطأتها وتدارك الأدهى، وكانت علاماته ماثلة أمامهم، إنصرفوا إلى التمادي في نهج الهيمنة وتقاسم النفوذ والحصص والفساد في مقابل التعامي عن أحد أبرز أسباب الخلل والمتمثل بظاهرة الدولة الرديفة وإصرارها على الإضرار بسمعة لبنان وهيبة الدولة والاقتصاد الوطني عبر التهريب الفاضح.

لقد تسلّم العام 2019 حكومة مستقيلة هي الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال عون، وقد استمرت ولايتها سنتين ومئة وخمسة وأربعين يومًا بين الأصالة وتصريف الأعمال. أما الحكومة الحالية المستقيلة، فولدت بعد مخاض عسير أشهرًا عدة على أثر الأنتخابات النيابية في أيار 2018، في ضوء فوز فريق 8 آذار وحلفائه بالأغلبية للمرة الأولى، بعد فوزين متتاليين لفريق 14 آذار في ال2005 ال2009 مع التمديد مرات عدة للمجلس النيابي، وانتهت فترة المراوحة بصدور التشكيلة في 21 كانون الثاني، وكان السبب الأول للتأخير هو سعي التيار الوطني الحر ومعه رئيس الجمهورية إلى الحصول على الثلث المعطل والإصرار على تحجيم تمثيل «القوات اللبنانية» وحصر حقائبها بوزارات غير سيادية وغير أساسية، فضلاً عن «حفلة» الإبتزاز التي أُخضع لها الرئيس الحريري بتمثيل سنّة 8 آذار عبر كتلة هجينة تم تجميعها لترتيب منحها مقعدًا واحدًا.

ومع ذلك، لم تكن مهمة الحكومة الجديدة سهلة، في ظل الإصرار على منطق المحاصصة في التشكيلات والتعيينات على أنواعها، وعلى تركيب صفقات وإرساء إلتزامات بمعزل عن الأصول القانونية والإجرائية وإدارة المناقصات. على أن إصرار «القوات اللبنانية» أفشل التمديد العشوائي للبواخر التركية الخاصة بتوليد الكهرباء وفرض إقرار خطة جديدة، على الرغم من تضمنها بعض الثغرات لا سيما لناحية دور وزارة الطاقة والمياه، علمًا أن «القوات» إشترطت الإسراع في تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان فضلاً عن الهيئتين الناظمتين للكهرباء والإتصالات، وهو ما لم يتم بل ذهب مرة أخرى مع ريح المماطلة والمناورة.

ولعل المستغرب هو ما احتاجته موازنة ال2019 من أخذ ورد ومماحكات حتى تم إقرارها متأخرة عن موعدها المفترض ثمانية أشهر، وقد رفضت «القوات اللبنانية» التصويت إيجابا عليها في مجلس النواب بعد حرف جملة أمور في متنها عن إطارها الصحيح وتغييب الإلتزامات الإصلاحية، علمًا أن «القوات» قدمت أكثر من برنامج في هذا المجال.

وما زاد من خيبة «القوات اللبنانية» هو التغاضي المتفاقم عن مسلسل الملاحظات والإعتراضات في مجلس الوزراء، لا سيما وأن رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع ربط في حينه الموافقة على السلسلة الشهيرة بجملة شروط إصلاحية لم يتم تنفيذ شيء منها.

وكثيرا ما تمايزت «القوات» في مجلس الوزراء عن سواها من الأخصام والحلفاء على السواء في مقاربة الكثير من الملفات وفي تمسكها بالشفافية والتنبيه من المخاطر المتصاعدة ماليًا واقتصاديًا. لكن الأبرز كان ما طرحه الدكتور سمير جعجع خلال الإجتماع الاقتصادي الذي دعا إليه رئيس الجمهورية في قصر بعبدا في الثاني من أيلول الماضي وتناول الورقة الإصلاحية الاقتصادية التي حملت عناوين جيدة مبدئيًا، لكنها بقيت في إطارالعموميات والتنظير. فخلال اللقاء لم يمجّ جعجع كلماته بل طرح بكل صراحة إستقالة الحكومة وتأليف أخرى من تكنوقراط ومستقلين، الأمر الذي لم يلقَ الترحاب من المجتمعين الذين بدا بعضهم متفاجئاً والبعض مرتبكاً والبعض رافضاً.

لقد أعطى سمير جعجع بمواقفه الإشارة الأولى للتغيير المنشود وقد رفضتها السلطة، فيما تلقفها جمهور الإنتفاضة كعنوان أول، إذ أدرك أن الوقت حان لوقف الأسلوب التمييعي والتصدي للأزمة قبل فوات الأوان.

على أن «القوات اللبنانية» كانت متجهة إلى التصعيد مع التفكير جديًا في خيارات عدة، مرورًا بالإعتراض على موازنة 2020 بعد إسقاط جملة أفكار إصلاحية ورفض العودة عن جملة قرارات بالغة السوء وفي مقدمها التوظيف الانتخابي والسياسي عشوائيًا لأكثر من خمسة آلاف شخص، الأمر الذي رتب سنويًا عشرات ملايين الدولارات على الخزينة المنهكة.

واندلعت الثورة على خلفية الرسم على الإتصالات الصوتية بـ«الواتساب»، علمًا أن المشكلة كانت في انقطاع الإتصال والتواصل بين السلطة والشعب على مدى سنوات بل عقود عدة، الأمر الذي انفجر تظاهرات هائلة فاقت بضخامتها تظاهرة 14 آذار 2005.

واستقالت «القوات اللبنانية» منذ اللحظة الأولى إنسجامًا مع قناعاتها ومع المناخ الشعبي الجارف، فيما استمر فريق 8 آذار بقيادة «حزب الله» ومعه التيار الوطني الحر في المعاندة، على الرغم من مبادرات وإطلالات عدة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إنتهت كلها إلى تأجيج الإنتفاضة في ضوء إنتفاء الثقة بالطروحات التقليدية.

لكن الصدمة الكبرى كانت للوزير جبران باسيل والتيار الذي يقوده، إذ تحوّل فجأة وفي لحظة سياسية دراماتيكية من مرشح متقدم لرئاسة الجمهورية والرجل القوي في الحكم وفي الحكومة، إلى «المطلوب» رقم واحد للخروج من السلطة، في وقت عمد الثنائي الشيعي الى طرح شارع مقابل شارع ولكن بأساليب عنفية نافرة.

وعلى الرغم من مختلف محاولات الترهيب والإبتزاز والقمع والمنع، إستمرت الثورة في حراكها وفي انفلاشها على مختلف الأراضي اللبنانية  محطمة الكثير من المحظورات وبخاصة على الساحة الشيعية، ما اضطر الرئيس سعد الحريري إلى الإستقالة في خطوة شكلت الإنتصار العملي الأول للإنتفاضة.

والملفت أن فريق التيار الوطني الحر إرتكب سلسلة أخطاء زادت من حراجة موقفه، ومن إحراج رئيس الجمهورية، سواء عبر التظاهرة الحزبية إلى محيط قصر بعبدا، أو عبر الحملات على الثورة ومحاولة إستدراج «القوات اللبنانية» بهدف ضرب الحراك الشعبي مسيحيًا عبر إستحضار أحقاد الماضي، فضلاً عن محاولات لترهيب الثوار على غرار ما حصل في جل الديب بإطلاق نار وحمل السلاح والسعي لإظهار الجيش اللبناني وكأنه فريق أو هو جيش لفئة دون أخرى.

العام 2019، هو عام الثورة التي ستذكرها الأجيال اللاحقة، وللتوضيح فإن ما سُمِّي ثورة العام 1958 على الرئيس كميل شمعون هو حالة بسيطة ولا تقارن بما يحصل منذ 17 تشرين الأول، على الرغم من الطابع العنفي الذي ميّز ثورة ال58 وسقوط العديد من الضحايا فيها.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل