#adsense

الرئيس في بعبدا ·· وقائع وتحديات!

حجم الخط

الرئيس في بعبدا ·· وقائع وتحديات!

الأحد 25 أيار 2008 يوم تاريخي جديد في حياة اللبنانيين الذين كادوا أن يفقدوا الأمل بقياداتهم·· وبأمن واستقرار الوطن!·
الأحد 25 أيار 2008 هو أشبه بالخط العريض الفاصل بين الانهيار – انهيار سقف الجمهورية والصيغة على رؤوس الجميع – وبين تلمّس طريق الإنقاذ عبر تسوية سياسية متوازنة ومقبولة، تبدأ بانتخاب المرشح التوافقي ميشال سليمان رئيساً للبلاد، وحكماً بين السياسيين·

الأحد 25 أيار 2008 سينضم إلى يوم 25 أيار 2000 عيد التحرير، لعل هذا التطابق في التاريخ يساعد على التلازم بين التحرير والأمن والاستقرار، بعدما حاولت قوى 14 آذار موازنة التحرير بإنجاز السيادة والاستقلال، وبعدما كاد سلاح المقاومة والتحرير أن يتحوّل عن مساره الجهادي ضد الاحتلال، ويرتدّ كسلاح فتنة في الداخل·

ولم يعد خافياً على أحد كم أن الوصول إلى جلسة انتخاب العماد ميشال سليمان كلّف اللبنانيين من أمنهم وممتلكاتهم فضلاً عن صبرهم ومعاناتهم المريرة طوال الأشهر التي اشتدّت فيها السجالات بين الأكثرية والمعارضة، والتي وصلت إلى درك المواجهات المسلحة في شوارع بيروت، وقرى الجبل، وبعض مناطق الشمال والبقاع·

ولكن وصول العماد سليمان إلى سدّة الرئاسة من شأنه أن يعوّض اللبنانيين الكثير من معاناتهم السابقة، ويُعيد فتح أبواب الأمل أمام الشباب والأجيال الصاعدة، بقدرة الوطن على النهوض من كبوته، واستئناف مسيرة الحياة والتألق من جديد·

* * *

الواقع أن الرئيس ميشال سليمان يريد أن يطوي صفحة الخلافات والانقسامات التي أتعبت البلد والناس بأسرع ما يمكن، متسلحاً بوعيه الوطني لأبعاد الخريطة السياسية الحالية، ومستنداً على هذا التأييد اللبناني الجامح، والذي يبلغ حدود الإجماع، بغض النظر عن تحفظات البعض البروتوكولية، فضلاً عن تظاهرة الدعم العربي والدولي، والتي تجلّت بوضوح في حضور هذا الكم الكبير، وغير المسبوق، من الوفود العربية والأجنبية لجلسة الانتخاب التاريخية أمس·

وميشال سليمان، الرجل الذي عُرف بنضوجه وهدوئه وقدرته على التحمّل والصبر، والقائد المعروف بشجاعته وحكمته وشفافيته، يستلهم في نهجه تجربة مؤسس الجيش الوطني اللواء فؤاد شهاب، في الحرص على عدم إقدام المؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية الداخلية وفي ضرورة الحفاظ على التوازنات الوطنية الدقيقة التي تحفظ سلامة واستقرار النظام اللبناني·

ولعل أخطاء التجربة الشهابية لم تكن بعيدة عن وعي ومتابعة الضابط الشاب الذي تسلّم سيف التخرج العسكري من الرئيس شارل حلو، الذي انتهى عهده بإنهاء ظاهرة هيمنة المكتب الثاني على الحركة السياسية طوال عقد ونيّف من الزمن، الأمر الذي ساعد على وصول تكتل الوسط إلى الحكم وانتخاب الرئيس سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، واختيار الرئيس صائب سلام لرئاسة الحكومة، وكامل الأسعد لرئاسة مجلس النواب·

غير أن ممارسات المكتب الثاني، بما فيها من تجاوزات وأخطاء، لم تقلّل من إعجاب ميشال سليمان بتجربة فؤاد شهاب في الحكم، خاصة لجهة الإنصراف إلى بناء المؤسسات الأساسية للدولة من البنك المركزي إلى هيئة التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية وصندوق الضمان الاجتماعي، ومصلحة الإنعاش الاجتماعي ومجلس المشاريع الإنشائية ومجلس تنفيذ مشاريع بيروت الكبرى·· إلى آخر السلسلة التي أَوجدت مرتكزات أساسية وضرورية لسلطة الدولة وتطوير أدائها الإداري والاجتماعي والإنمائي على مختلف المستويات·

وقد تكون العدالة الاجتماعية، بما تعني من اهتمام بالطبقات المتوسطة وذوي الدخل المحدود، والإنماء المتوازن، بكل ما يعني من أهمية في إنماء المناطق الريفية المحرومة، من الشعارات الأساسية لعهد ميشال سليمان الذي حرص على إطلاق اسم اللواء فؤاد شهاب على منشآت كلية القيادة والأركان في ذروة احتدام الخلافات الداخلية حول الانتخابات الرئاسية·

* * *

غير أن حرص ميشال سليمان على احترام التوازنات الوطنية الدقيقة بدءاً من تظاهرتي 8 و14 آذار، مروراً بيومي 23 و25 كانون الثاني 2007، وصولاً إلى الفلتان المسلح في شوارع بيروت يومي 8 و9 أيار الجاري، لا تشغله عن توازنات العلاقات العربية خاصة والخارجية عامة، انطلاقاً من الحرص اللبناني الدائم على عدم الدخول في سياسة الأحلاف أو المحاور·

وقد جسّد العماد سليمان حرصه على مراعاة التوازنات العربية في أدق المراحل حراجة، وفي أصعب المواقف معالجة· وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن خروج الجيش السوري من لبنان وتدهور العلاقات اللبنانية – السورية بعدها، لم يمنع قائد الجيش من الحفاظ على علاقات التعاون العسكري، العسكري فقط وليس الأمني، بين الجيشين الشقيقين، والذي كان من آثاره تزويد الجيش اللبناني بما يحتاج إليه من ذخيرة الدبابات في معركة نهر البارد، كذلك فإن اتصالات المناسبات الشخصية المهمة لم تنقطع بين اليرزة وقصر المهاجرين، وكان العماد سليمان في مقدمة مهنئي الرئيس بشار الأسد بتجديد انتخابه رئيساً للجمهورية·

وهذا الحرص على العلاقات الأخوية مع سوريا، لم يمنع العماد سليمان من القيام بزيارات تعاون إلى الدول العربية الأخرى، وخاصة المملكة العربية السعودية ومصر التي انطلق منها بالذات أول ترشيح شبه رسمي للعماد سليمان لرئاسة الجمهورية، حيث جاء وزير الخارجية المصري أبو الغيط إلى بيروت موفداً من الرئيس حسني مبارك للتشاور مع القيادات اللبنانية في الموالاة والمعارضة حول هذا الترشيح·

واليوم، يتحمّل الرئيس ميشال سليمان، أكثر من غيره من أطراف السلطة مسؤولية إعادة تصحيح وتطبيع العلاقات مع الشقيقة سوريا، بما يؤدي إلى استئناف مسيرة التعاون بين البلدين الشقيقين وتحقيق مصالح الشعبين الجارين، في إطار واضح من الاحترام المتبادل ومراعاة خصوصية كل بلد، وعدم التدخل بشؤون البلد الآخر، وذلك نظراً لعلاقات الرئيس اللبناني القائمة على الود والتقدير المتبادل مع القيادة السورية·

* * *

إن اللبنانيين الذين تابعوا وقائع جلستي الانتخاب والقسَم غمرتهم مشاعر الفرح والارتياح لنجاح تنفيذ الخطوة الأولى من اتفاق الدوحة، وسط هذا الحشد العربي والدولي غير المسبوق في حضور هذه المناسبة الوطنية الكبيرة·

ولموجة الفرح والارتياح التي عمّت مختلف المناطق اللبنانية أسباب كثيرة يبقى أبرزها على سبيل المثال:

1 – التأكد من جدية جميع الأطراف المحلية والخارجية في تنفيذ اتفاق الدوحة وفق تسلسل بنوده وفي فترة زمنية قياسية·

2 – المشاركة العربية والإسلامية والدولية الواسعة في جلسة الانتخاب تدل على حجم الدعم الممكن توفّره لمسيرة العهد الجديد ومساعيه لاستئناف الحوار بين اللبنانيين بما يعزّز توطيد دعائم السلم الأهلي في البلد·

3 – حُرص الرئيس المنتخب على التمسك بهدوئه وحكمته وعقلانيته في خطاب القسم الذي تضمّن الخطوط العريضة لبرنامج عمل وطني شامل وحضاري، غابت عنه العبارات المنفرة مثل "قطع الأيدي" و"تعليق المشانق" التي حفل بها خطاب سلفه في المناسبة نفسها·

4 – التمسك بسياسة التوازن التي ظهرت جلية في خطاب الرئيس سليمان، وطرح كل ما يجول في أذهان اللبنانيين من هواجس مقلقة، بلغة بسيطة بعيدة عن الشعارات، وتتجنب الاستفزازات، وتُبقي باب الحوار مفتوحاً على مصراعيه حول القضايا المطروحة·

* * *

لا شك في أن الفرحة العارمة التي يعيشها لبنان هذه الأيام تُحمّل الرئيس سليمان مسؤولية مضاعفة، من خلال دور الحَـكَم الذي يتطلع إليه اللبنانيون لمعالجة الخلافات والانقسامات التي فتكت بالبلاد والعباد طوال السنتين الماضيتين·

إن تمنيات اللبنانيين بالخروج سريعاً من تداعيات العاصفة المدمّرة التي ضربت البلد، وحدها لا تكفي·· لأن ثمة تحديات صعبة تواجه الرئيس الجديد وحكومته الأولى، ليس من السهل التغلب عليها إذا لم تتضافر كل الجهود المخلصة لترميم جراح الأحداث الأخيرة، وطيّ صفحة الخلافات المستعصية، ووضع أيدينا بعضنا مع بعض لاستعادة وحدة الجبهة الداخلية، وتحصين السلم الأهلى بما يكفي من توافق وتعاون على مواجهة متطلبات المرحلة المقبلة!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل