#adsense

معطيات جديدة لبحث مسار العلاقات السورية ـ الإيرانية

حجم الخط

تمييز الأسد بين "حزب الله" كفصيل أساسي وبين المقاومة كمبدأ عام يمكنه أن يفتح ثغرة على طاولة الحوار
معطيات جديدة لبحث مسار العلاقات السورية ـ الإيرانية

ازدهر نوع جديد من الأدبيات السياسية في السنوات الأخيرة. إذ راجت مقاربات وتحليلات وترجيحات ومراهنات كثيرة ومتباينة، تتناول واقع وآفاق العلاقات السوريّة الإيرانيّة، وأثر الإنفتاح الغربيّ الجزئيّ على سوريا، أو أثر العلاقات العربيّة العربية المستأنفة بعد قمّة الكويت، أو أثر التفاتة تركيا نحو "عمقها الإقليميّ"، على هذه الرابطة الإستراتيجية القائمة بين البلدين، أو النظامين، منذ انتصار الثورة الإسلامية ونشوب الحرب الإيرانية العراقية وإلى اليوم.

قيل الكثير في العلاقات السوريّة الإيرانية، وما إذا كان مقدّراً لها أن تتطور للحدّ من التناقضات القومية والأيديولوجية والسياسية وتكريس وحدة المنظومة الممانعاتية، أو أن تسلك درباً أكثر تعقيداً، يفضي في مرحلة أولى إلى تعزيز "اللامركزية" ضمن هذا التحالف الممانع، ويمكنه أن يؤمّن في مرحلة ثانية التخفيف من حدّة "التمحور" على الصعيد الإقليميّ، وهناك أيضاً من طرح المسألة تحت عنوان حسابات "التقارب والتباعد" و"التفاضل والتكامل"، أو تحت عنوان تعقيدات "الإرتياح والإرتياب" و"الإطمئنان والتوجّس" ما بين سوريا وإيران.

أيضاً هناك من خاض في المسألة على الصعيد الإقليميّ ككل، وهناك من أزاح الملفات عن بعضها البعض، معطياً الحيّز الخاصّ لكل منها، فهناك الملفّ العراقيّ وهناك اللبنانيّ والفلسطينيّ، وهناك البرنامج النووي وأسلوب تعاطي كل من سوريا وإيران مع وكالة الطاقة الذرية، وهناك الملفّ السوريّ من عملية السلام في الشرق الأوسط.

ما زال هذا النوع الجديد من الأدبيات السياسية يتوالى تباعاً. فيه الجدّي والعميق، وفيه الكالح والعبثيّ. ومنه الشيّق ومنه الرتيب. بعضه متفائل وبعضه الآخر متشائم. منه ما كتب بلغة أكاديميّة ومنه ما كتب بلغة صحافية، منه ما يمحو ليله نهاره ومنه ما يتحلّى بقدر من الثبات والصدقية. قسم من هذه الأدبيات ينطلق من الواقع الملتهب لسياسات الهوية الإثنية والمذهبية والطائفية في المنطقة، وقسم آخر يقفز على كل واقع، ولا يرى الى المسألة إلا من باب ثنائية "الممانعة" و"الإستعمار" (المندحر!)، بل الأصح القول إنه يرى إلى المسألة حصراً من باب "ممانعة" تقاوم "أعوان المستعمر" بدلاً عن المستعمر (المندحر!).

والممانعة في هذا المجال، خصوصاً النجادية، تتبنّى بنفسها التهمة التي توجّهها هي ضدّ المستعمر. هي تتهمه بأنّه "يقسّمنا"، وبأنّه سواء من خلال "إستعماره غير المباشر" أو من خلال "تدخّله المباشر" إنّما يواظب على "ضخّ الفتنة المذهبية إلينا". لكننا نجد عملياً أن الممانعة نفسها هي التي تقيم تقسيماً عنيفاً وعنفياً داخل كل مجتمع، بين من يمانعون المستعمر عن بُعد أو في المواسم، وبين من يُتّّهمون بإعانة المستعمر حتى بعد غيابه أو رحيله.

أيّاً يكن من شيء فإنّ النوع الجديد من الأدبيات السياسية المثبّتة أو المراجِعة للرابطة الإستراتيجية بين سوريا وإيران هو نوع مزدهر. وقد جاءت مقابلة الرئيس السوري بشّار الأسد مع الزميلة "الحياة" لتقدّم أفكاراً، ومعادلات، لا بدّ من من أخذها بعين الحسبان.

يقول الرئيس السوريّ "لا يوجد أي تطابق بين أي دولتين في أي قضية، ولو كان هناك تطابقاً لما التقينا في شكل متكرر أنا والمسؤولين الإيرانيين في قمتين خلال فترة قصيرة". ويميز بين الحالتين العراقية واللبنانية بالقول "العلاقة الجغرافية بين سوريا ولبنان ليست كالعلاقة الجغرافية بين العراق وايران، الوضع يختلف. في لبنان لا تدخل ايران في التفاصيل بل في العموميات، فهي مثلا يهمها دور المقاومة، وهذا هو موقف سوريا، وفي هذا الاطار نستطيع ان نقول نعم هناك تطابق. بالنسبة الى ما نطرحه عن ضرورة ان تكون العلاقة جيدة بين القوى اللبنانية، والحوار اللبناني، والاستقرار اللبناني، بالنسبة الى هذه المصطلحات هناك تطابق" لكنه يضيف "الفرق ان سوريا تعرف التفاصيل اللبنانية أكثر من ايران في السنوات والعقود التي مرت فلا نستطيع ان نقارن".

الحديث يبرز هنا اتجاهين: تريد سوريا من ناحية أن يكون التوازن هو القاعدة المعتمدة في التحالف الإقليمي السوريّ الإيرانيّ، وتعتبر من ناحية أخرى أن هذا التوازن لا يستقيم إلا بحسم وإيضاح ضرورة ان يقرّ هذا التحالف بأولوية وجهة النظر والأسلوب السوريين على وجهة النظر والأسلوب الإيرانيين في ما يتعلّق بالشأن اللبنانيّ. فهذا هو المدلول المعياريّ والعمليّ في آن لمقولة أن سوريا أعلم من إيران بالتفاصيل رغم التطابق في العموميات.

السؤال إذاً: هل يتطوّر الواقع اللبنانيّ، وواقع السياستين السورية والإيرانية تجاه لبنان، نحو حسم الأمر على هذه الطريقة أو في اتجاه مختلف؟.
يمكن أن تحضر عناصر متباينة للإجابة على هذا السؤال، لكن هناك عنصراً مهماً يتضمنه كلام الرئيس السوريّ حيث ميّز بين المقاومة كمبدأ، وبين "حزب الله" كفصيل أساسي، وقال ان الموقف السوري في هذا المجال "يمر عبر الموقف من المقاومة ولا يمر عبر الحزب كحزب".

وهذا طبعاً لو اعتمد لبنانياً لشكّل ثغرة في السياج الحائل دون تثمير طاولة الحوار. فبمجرد أن لا تعود مقولة "لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته" مساوية لمقولة "لبنان بشعبه وجيشه وحزب الله" يكون بالإمكان التقدّم على طريق تفكيك المعضلة.

نحن إذاً أمام معادلتين مهمّتين: سوريا أعلم من إيران بالتفاصيل، و"حزب الله" هو "فصيل أساسي" في المقاومة وليس مطابقاً بكليته للمقاومة كمبدأ أو حتى للمقاومة كمجال يقع على طاولة الحوار تحديده.

طبعاً لا تسمح هاتين المعادلتين بالذهاب بعيداً لصياغة نظرية ثابتة حول مسار العلاقات السورية الإيرانية، وفي الوقت نفسه تشكل المعادلتان حدثاً في هذا المسار. ويستكمل الحدث بالمعادلة الثالثة التي طرحها الرئيس السوريّ بشأن المحكمة "من لديه الدليل فليقدمه وانتهى الموضوع".
هذه المعادلات الثلاث لا بدّ من الإلتفات إليها بتمعّن وتأنّ، وبنوع من الإيجابية النقدية الحذرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل