هل أخطأ الحريري بقبوله التكليف، وهل يخطئ ببقائه؟
الآراء متضاربة حتى داخل الخط السياسي الواحد
هل أخطأ الرئيس سعد الحريري عندما قبل التكليف لتأليف الحكومة؟ وهل يخطئ اليوم اذا استقال او إذا اصر على البقاء؟
الأجوبة عن هذين السؤالين ليست واحدة سواء لدى قوى 8 و14 آذار وسواء لدى الدول الشقيقة والصديقة المعنية بوضع لبنان.
ثمة من يقول ان الرئيس الحريري أخطأ بقبوله التكليف لتأليف الحكومة وكان من الافضل لو انه اختار سواه لهذه المهمة ليبقى هو في خط الدفاع الاول وفي الاحتياط للعودة اليه عندما تدعو الحاجة الوطنية وتكون الظروف ملائمة ليقوم بدور المنقذ بدون عوائق او محاولات ابتزاز على حساب اقتناعاته ومصلحة الوطن. وعندما قبل التكليف ظنت السعودية التي كانت تخشى من "فيتو" سوري على هذا التكليف انها سجلت كسباً سياسياً بحصولها على ترحيب سوري بذلك، في حين ان سوريا رأت في تكليف الحريري تأليف الحكومة طريدة ثمينة لصيدها في لبنان في حين لا ترى ذلك في سواه، وكان اول الصيد الثمين زيارة الحريري لها التي اعتبرها واجبا عليه كرئيس للحكومة اللبنانية في حين رأتها دمشق بداية طي لصفحة الماضي بكل مآسيها وللاغتيالات التي وقعت مدة وصايتها على لبنان، بما فيها اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وكان سببا لتوتر العلاقات بين لبنان وسوريا وخروج القوات السورية من اراضيه، ولخصومة شديدة لم تقتصر على الدولتين اللبنانية والسورية بل شملت الشعبين، فكان لا بد لطي هذه الصفحة وفتح صفحة جديدة من ازالة كل آثار تلك الحقبة بما فيها الاسباب التي ادت الى انشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. لكن تبين ان الرئيس الحريري ومن معه يميزون في تعاملهم مع سوريا بين الخاص والعام. فمعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة في جرائم الاغتيال وعلى رأسها جريمة اغتيال الرئيس الحريري شيء والعلاقات بين لبنان وسوريا على المستوى الرسمي شيء آخر. وهذا التمييز لم يعجب سوريا ولا حلفاؤها في لبنان باعتبار انه لا يجوز الفصل بين العلاقات العامة والعلاقات الخاصة وان كلا منهما تؤثر على الأخرى. الامر الذي اثار خلافا في الرأي داخل قوى 8 و14 آذار والمتحالفين معهما محليا وعربيا واقليميا ودوليا. فمن مطالب باستقالة الرئيس الحريري وتكليف سواه تشكيل حكومة مقبولة من القوى السياسية الاساسية في البلاد تتولى تصفية ذيول المرحلة السابقة وازالة آثارها ولا سيما ما يتعلق منها بجرائم الاغتيال ومصير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والهواجس التي يثيرها القرار الظني. وبعد ان تنتهي هذه الحكومة التي يمكن وصفها بالانتقالية تنفيذ مهمة محددة يعود الرئيس الحريري على رأس حكومة لا تثير احداث الماضي وذيولها الخلاف بين اعضائها وتعرقل بالتالي عملها، الى مطالب ببقاء الحريري لان لا بديل منه في الظرف الراهن ولكن على رأس حكومة جديدة تكون اكثر تجانسا وانسجاما من الحكومة الحالية لتصبح قادرة على العمل والانتاج بدون معوقات ومناكفات كما هو حاصل حاليا على ان يكون تمثيل قوى 14 آذار وحلفائها اقل مما هو عليه الآن وتمثيل قوى 8 آذار وحلفائها اكثر. بمعنى ان يكون رئيسا لحكومة لا اكثرية له فيها وهذا يتطلب منه التخلي عن بعض الاحزاب في قوى 14 آذار ليصبح اسير ارادة قوى 8 آذار اي رئيس حكومة يملك ولا يحكم. وهذه هي ترجمة البعض لاشادة الرئيس الاسد في حديثه الصحافي الاخير بالرئيس الحريري وقوله ان لا بديل منه في الوقت الحاضر ووصف رئيس الحكومة السوري محمد ناجي العطري قوى 14 آذار التي يرئسها الحريري نفسه بـ"الهيكل الكرتوني" اي ان يبقى الحريري رئيسا لحكومة من دون معظم حلفائه، فيكون بذلك خسر حلفاء وربح حكما محكوما فيه.
وثمة من يقول ان الرئيس الحريري اذا لم يستجب مطلب تغيير الحكومة من دون تغييره فان الحملة عليه وعلى حقبة حكم والده ستتواصل لاستفزازه عله يضطر الى الاستقالة، فيكون هو المسؤول عن خطوته هذه وليست سوريا او حلفاؤها في لبنان لتواجه بعتب او لوم سعودي وغير سعودي، لذا كانت دعوة البعض له في "تيار المستقبل" الى الاستقالة كي لا تتحول رئاسة الحكومة ورقة ابتزاز ورفض البعض الآخر في التيار نفسه ذلك بدعوته للاستمرار على رأس الحكومة مهما بلغت التحديات. ثم جاءت دعوة اعلاميين سعوديين الحريري للاستقالة ايضا وهي دعوة اثارت الاستغراب والتفسيرات المختلفة، وقول بعضهم في توجيه هذه الدعوة: "لقد قمتم (الحريري) بفتح صفحة جديدة مع سوريا ورئيسها وزرتم دمشق وتحدثتم بلغة ايجابية في حواركم مع صحيفة "الشرق الاوسط" واعترفتم بارتكاب اخطاء ولم ينته الامر بهذا الحد بل يطلبون المستحيل اليوم اي ان تقوموا بالطعن بالمحكمة الدولية فقط لتبرئة "حزب الله" والا فانهم سيعطلون عملكم ويشلون الحكومة من خلال المطالبة بتحقيق شهود الزور وان تضربوا سمعة المحكمة قبل صدور القرار الظني، وهذا انتحار سياسي واخلاقي فاذا استقلتم فلن يستطيع سياسي سني ان يأتي مكانكم ويتخذ قرارا بابطال المحكمة، وحينها ستصبح انت المنقذ". وقول بعضهم الآخر: "ان الرئيس الاسد قال لـ"الحياة": "ان الحريري هو الشخص المناسب جدا لهذه المرحلة الصعبة". لا شك في ان وجود الحريري في الحكم على حد قول الاعلامي السعودي يشكل دعما لحلفاء دمشق على الساحة اللبنانية وخروجه هو الحل من حالة اللاحل. والاستقالة لن تدخل البلد في فراغ بل ستمنحه فرصة تاريخية للخروج من ازمة، والمعارضة هي التي ستواجه الفراغ اذا خرج الحريري من السرايا واستمراره اضعاف لدوره التاريخي وتهميش لموقعه السياسي، اذا خرج الحريري الآن ستواجه المعارضة خصومها الحقيقيين، ستواجه الضغوط الاقليمية والدولية وستفتقد ساحة المناورة". ويختم بالقول: "اخرج يا سعد، اعتكف، استمرارك في السلطة قوة لخصومك السياسيين"…
والسؤال المطروح هو: ما الذي سيفعله الرئيس سعد الحريري؟ لقد نقل عن مقربين منه انه سيتلقف مواقف الاسد بطريقة ايجابية لكنه لن يقبل بان يحدد احد له ثوابته او حلفاءه او ان يضع المسدس في رأسه ويقول له عليك ان تفعل كذا وكذا. هذا امر تجاوزناه ولن نسمح لاحد بان عيد عقارب الساعة الى الوراء".
وفي المعلومات ان الرئيس الحريري لن يستقيل مهما اشتدت الضغوط والحملات التي تدعوه للاستقالة والزعم ان دمشق ترى انه "آن الاوان لتغيير الحريري" فالحريري باق ليس حبا بالبقاء بل حبا بلبنان ومواجهة من يتربص به شرا. فكما صمد الرئيس السنيورة في وجه كل الضغوط والاعتصامات الى ان تألفت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فان الرئيس الحريري سوف يصمد الى ان يعرف الحقيقة في جريمة اغتيال والده ورفاقه ويوضع حد لمسلسل الاغتيالات، واستقالته قبل الاتفاق على بديل قد يفيد منها الخصوم في الداخل والخارج للاتيان بحكومة تصفية الحسابات والانتقام السياسي لحقبة ما بعد العام 2005.
لذلك فالاستقالة ليست حلا بل مشكلة تفتح الباب واسعا لفوضى عارمة تزعزع الامن والاستقرار. والرئيس الحريري يفضل ان يتحمل الظلم من ان يرتكبه بحق لبنان…