فؤاد شهاب جديد أم الياس سركيس؟
شهد تاريخ رئاسة الجمهورية في لبنان تجربتين عسكريتين مكتملتين وثالثة غير مكتملة وغير رسمية منذ استقلاله عام 1943. الاولى، يوم تولى قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئاسة الدولة عام 1958 بعد "ثورة" او حوادث كما اصطلح على تسميتها لاحقاً استمرت اشهراً ستة وبعد اتفاق القوة الاقليمية الكبرى آنذاك والأكثر نفوذاً وهي مصر عبد الناصر والقوة الدولية الكبرى والافعل في المنطقة وهي الولايات المتحدة. والثانية، يوم اختار رئيس سوريا (الراحل) حافظ الاسد وبتزكية من نجله بشار الرئيس الحالي قائد الجيش العماد اميل لحود رئيساً للجمهورية عام 1998. ومما ساعده على ذلك تحول سوريا اللاعب العربي والاقليمي الاوحد او على الاقل الاول في لبنان بعد نجاحها في ازاحة كل منافسيها على النفوذ فيه والاحتفاظ بالحد الادنى من التفويض الذي اعطتها اياه اميركا لتسيير اموره قبل سنوات. اما التجربة الثالثة غير المكتملة وغير الرسمية فكانت نتيجة عوامل عدة منها تنافس داخل اهل البيت المسيحي الواحد، واستمرار الحروب في البلاد، وبلوغ العلاقات الاميركية – السورية ذروة التوتر. لذلك كله وصل قائد الجيش العماد ميشال عون الى رئاسة حكومة عسكرية انتقالية بعد تعذر انتخاب رئيس للجمهورية كانت مهمتها تأمين انتخاب رئيس جديد في سرعة لكنها فشلت في ذلك أولاً، لان نصفها المسلم لم يقبل الاشتراك فيها قبل ان يجف حبر مراسيمها. وثانيا، لان رئيسها الطامح ابدا الى رئاسة الدولة مارس كل انواع السياسات وتالياً كل انواع الحروب على مدى نحو سنتين بغية اقناع الداخل والخارج بأهليته لهذا الموقع واستحقاقه اياه. الا انه فشل في ذلك رغم نجاحه في اطلاق حركة شعبية مسيحية مقاومة لما وصفه بـ"الاحتلال السوري" توسعت لاحقاً طوال مدة نفيه في فرنسا. واليوم تبدأ التجربة الرئاسية العسكرية المكتملة الثالثة بوصول قائد الجيش العماد ميشال سليمان الى قصر بعبدا بأصوات 118 نائباً من اصل 127 يشكلون عدد اعضاء مجلس النواب. وفي وضع كالذي يعيشه اللبنانيون اليوم لا يستطيع هؤلاء منع انفسهم من الوقوع في اغراء المقارنة بين اصحاب التجربة الرئاسية من العسكريين المذكورين اعلاه والتساؤل عن مدى نجاحهم او فشلهم ومحاولة المقارنة بين الرئيس سليمان واقرانه السابقين وخصوصاً لجهة السياسات التي سيعتمد في مواجهة التحديات الكثيرة التي تنتظره. طبعاً قد يكون نوعاً من الترف الفكري محاولة تقديم اجوبة عن كل ذلك. لكن الموضوع مطروح والوضع اللبناني صعب ومعقّد وربما اكثر صعوبة وتعقيداً من اي مرحلة مضت. لذلك قد يكون مفيداً التحليل الموضوعي في هذا المجال بعيداً قدر الامكان من التجني والظلم والافتئات.
انطلاقاً من ذلك يمكن القول اولاً وبثقة شبه مطلقة ان الرئيس العماد سليمان لن يكون ميشال عون آخر، او ربما ان المقارنة بينهما لا تجوز. لأن الثاني لم يصل بعد الى الرئاسة ولأن ترؤسه كان لنصف حكومة انتقالية شرعية دستورياً وغير شرعية شعبياً او غير ميثاقية بلغة اليوم، ثم في ظروف حرب اهلية لا يزال لبنان بعيدا عنها رغم ان شياطينها تحركوا في السابع من ايار الجاري ولا شيء يمنع تحركهم مرة اخرى وبفاعلية اكبر.
ويمكن القول ثانياً ان الرئيس العماد سليمان لن يكون الرئيس العماد اميل لحود لأسباب عدة منها اختلاف الشخصية والطبع الى حد التناقض، واختلاف الظروف الداخلية والاقليمية التي "سهّلت" مهمة الثاني رغم انها عقّدت امور البلاد والعباد اذ جعلتها تقتصر على ما يمكن وصفه مع الاحترام الكامل للجميع بانه تنفيذ دقيق وحرفي لتشاور مُلزِم مع عراب "السلم الاهلي" في البلاد اي سوريا. فهذه ليست اليوم في لبنان رسمياً رغم الوجود الواسع لاشباحها وملائكتها وحلفائها. كما صار هناك وجود اقليمي آخر مواز في أهميته للوجود السوري المشار اليه او ربما اكثر اهمية منه يتمثل بالجمهورية الاسلامية الايرانية، فضلا عن ان لبنان رغم انزلاق احدى قدميه الى اتون الحرب المذهبية قبل اسابيع، ورغم الازمة السياسية الحادة الداخلية والاقليمية والدولية التي تعصف به منذ اكثر من ثلاث سنوات، لا يزال قادراً على ضبط النفس وتلافي السقوط في الكوارث. هذا الوضع يسهّل رئاسة سليمان نظرياً وسيعقّدها عملياً.
ويمكن القول ثالثاً ان الناس عموماً في لبنان يتمنون ان تشبه رئاسة سليمان رئاسة الراحل فؤاد شهاب، لأنها ربما الرئاسة الوحيدة للجمهورية التي تحققت فيها انجازات بمقدار ما ارتكب فيها من اخطاء قد تكون ساهمت مع عوامل اخرى داخلية وخارجية في وقوع لبنان في حروب عسكرية دامت نيفاً و15 سنة وحروب سياسية استمرت ايضاً نيفاً و30 سنة، علماً انه مرشح دائم لتجدد حروب شعوبه وحروب الآخرين بواسطتها وعلى ارضهم. لكن المنطق والتاريخ قد يخيّبان هذه التمنيات لاسباب كثيرة ابرزها ان الوضع الاقليمي – الدولي الذي "انتج" فؤاد شهاب الرئيس كان سلمياً وتصالحياً رغم الاختلافات الكثيرة الامر الذي وفر مظلة كبيرة لجمهورية ما بعد "الثورة" ورئيسها فضلاً عن ان الوضع الداخلي كان اقل تعقيداً واكثر صفاء رغم كل ما حصل، واكثر شفافية من الوضع الراهن.
بأي تجربة رئاسية يمكن مقارنة تجربة العماد سليمان نظرياً طبعاً؟
بتجربة الرئيس المدني الطالع من صفوف الشعب والذي اعترض بعض ابناء العائلات السياسية على "تبكيل ازرار جاكيتاتهم" امامه لانه ليس منهم. انه الراحل الياس سركيس. فهذا الرئيس اختارته سوريا ايضاً وان بمشاركة اميركية كان اصحابها لا يزالون اصحاب وزن ما في دمشق. لكنه تعرض للتعذيب الشديد منها ومن حلفائها في لبنان ومن الفلسطينيين ومن القوى المسيحية التي كان يفترض انه يعمل للمحافظة عليها ورعاية تفاهم بينها وبين الآخرين. عذبوه (سياسياً طبعاً) لانه حافظ على وطنية لبنانية معينة، ولانه كان "تقليدياً" في نظرته الى لبنان السياسي، في حين ان الراعي السوري كان يرى ضرورة تغيير هذا اللبنان على نحو جذري رغم معرفته بتعذر ذلك سلما وبأن تحقيقه بالحرب والقوة لن يدوم. وعذبوه لانه لم يوافق على المشروع "المسيحي" المتطرف في حينه. وناله ومن عمل معه اذى كبير بسبب ذلك. وحالوا دون نجاحه في حل مشكلة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان والذي فجّر الحرب فيه وفي تقريب الناس بعضهم من بعض فاستمرت الحروب في عهده.
طبعاً لا يعني ذلك اننا وعلى طريقة "المنجمين" نطلق توقعات ونؤكد انها ستحصل. فالمستقبل بيد الله واللبنانيين، بل اننا نلفت الى اوجه الشبه بين ولاية الراحل شهاب والولاية البادئة لسليمان، اولها انه اختير بنوع من التوافق الاقليمي – الدولي الذي انتج توافقاً محليا. وثانيها، انه تعرض في السنوات الثلاث الماضية وسيتعرض طوال السنوات الست المقبلة لامتحانات واختبارات وتحديات من كل الافرقاء وفي مقدمهم سوريا وحلفاؤها اللبنانيون وربما من ايران ايضاً كما من اخصام كل هؤلاء. ذلك ان التوافق الذي حصل كان لان مصلحة ما يجري تحت الطاولة في المنطقة والعالم بين الاعداء الذين تقاتلوا وقد يتقاتلون باللبنانيين وغيرهم من ابناء المنطقة تقتضي تهدئة أو هدنة في لبنان. ولكن اذا قضت بتفجره فان ذلك قد يحصل باغماضة عين. وفي هذا الخضم سيجد سليمان نفسه امام خيارين، اولهما المقاومة السلبية وعلى طريقة الراحل سركيس لكل الجهات الاقليمية والدولية ولملائكتها اللبنانية ومنعها من تحقيق اهدافها وتالياً الخضوع بسبب ذلك للكثير من التحديات والقهر والعذاب. اما ثانيهما فهو انحيازه الى الجهات الافعل والاكثر نفوذاً سياسياً وعسكرياً وشعبياً في لبنان ومساعدتها على حكم البلاد بواسطته اي بواسطة الدولة. وهو بذلك قد يسلم شخصياً لكنه يدخل البلاد في حرب مدمرة طويلة جدا، الا اذا نجح الساعون الى صفقات في الخارج ومعه.
فأي من الخيارين يعتمد؟ الجواب خلال السنوات الست المقبلة.