18 كانون الأول
سامي ابو جودة: شمعة اولى انطفأت في زمن السلم السوري
ربيع يعقوب
شهداؤنا في زمن قيل عنه انه زمن السلم لا زمن السلام، هم باقة من شهدائنا قدمناهم للوطن كباقة ورد، نقدمهم اليوم لكم لنتذكر ونعتبر. ليس لأنهم الأغلى وليس لأنهم كانوا الأفضل أو الأكثر بطولة بل لأن الإستشهاد في ظروفه ومسار تاريخه ربما كان الأقسى والأشد إيلاماً، اذ انه أتى في وقت قررنا فيه ان ندخل في سلام، نظرنا اليه من جهتنا على انه سلام شجعان، فرمينا السلاح وأبواب الجحيم لم تكن لتقوى علينا. ونظر اليه من كان يُفترض ان يكون شريكا لنا فيه على انه سلام انتهازي وانتظر الفرصة المناسبة للإنقضاض عليه فمات السلام وبقي سلم هش تحفظه اجهزة المخابرات بالحديد والنار. آلاف الشهداء سُفكت دماؤهم وقوداً لتستمر القضية، التي تختصرها كلمة واحدة اسمها “الحرية”.
” سامي باعتينلك هالهدية”. تلك كانت آخر كلمة سمعها سامي ابو جودة قبل ان تخترق جسده اربع رصاصات اسقطته شهيداً.
كان نصيب المسيحيين وقدرهم في بداية حقبة السلم الكاذب ان يتلقوا هكذا هدايا، وان لا يردوها بمثلها لأنهم اقتنعوا وربما عن غير وجه حق انه مثلما يجر القتل قتلا والحرب تجر حربا فالسلام ربما يجر السلام. أنشدوا السلم وأداروا خدهم الأيسر وشهروا يدهم للسلام فشهرت بالمقابل عليهم السيوف ولم تغمد.
يومها تدخل سامي مع الشبان الغاضبين الذين حاصروا المنزل الذي التجأت اليه شقيقة المسؤول القومي السوري، طيَّب خواطرهم، اجرى اتصالات مع المسؤولين، ومن ثم أصرّ على مرافقة تلك المرأة حتى اقترابها من منطقة سكنها. ويقال ان المرأة المذكورة لم تنس انسانية سامي تجاهها فأطلقت فيما بعد على مولودها الجديد اسم سامي تيمناً بالذي انقذ حياتها من الخطر.
ورغم ان سامي كان يحمل راية السلام وربما لأنه حملها، فقد تلقى تهديدات عدة تدعوه للخروج من الزلقا مسقط رأسه لكي لا يقابل بقاؤه فيها بالقتل. وبالفعل سافر سامي الى الولايات المتحدة قبل شهر من اغتياله بناء على اصرار من عائلته التي رأت ان السلام الجديد يلزمه قلوب وعقول جديدة، لم يبن من مسار الأحداث ان الأطراف الموالية لسوريا على الساحة اللبنانية تتمتع بها، او تملك على الأقل رغبة بالتحول والدخول في عصر السلام.
لكن سامي الذي لم يترك لبنان في احلك ظروفه، منعته عزته ان يبقى خارجاً خصوصاً بعد موجة التفجيرات التي اجتاحت المكاتب الحزبية في فترة ابتعاده عن الوطن معتبراً انه لا يستطيع ان يكون آمناً مطمئناً على نفسه والشباب في لبنان في مهب الريح لا سيما انه كان يتصل مرتين يومياً الى لبنان للإحاطة بظروف الشباب في الزلقا.
رجع سامي الى لبنان متكلاً على الله وقرر متابعة حياته الطبيعية فعاد الى متابعة اعمال محله المعد لبيع المجوهرات واشرف بنفسه على زينة واجهته خصوصاً ان الزمن هو زمن الميلاد.
قبل ايام من استشهاده لاحظت الموظفتان العاملتان في محله تواجداً دائماً لرجلين في محيط المحل بدا انهما يراقبان الداخل والخارج فابلغتا سامي بذلك.
غادر الجانيان المحل دون ان يعمدا الى سرقة شيء يوحي بأن الجريمة جريمة سرقة، لأن المطلوب كان ان يعرف جميع الأحرار ان سامي قتل بسبب انتمائه السياسي حصراً وليس لسبب آخر، وان مجرد الإنتماء هو خطر على من يريدون ان يصبحوا اسياداً جدداً على لبنان سيتم مواجهته بالقتل والإغتيال. وقد افاد بعض الشهود ان الجانيان استقلا سيارة اجرة كانت مركونة بجانب المحل وسلكا الطريق البحري من دون ان يتتبعهما احد، خصوصاً ان الأمر حدث بسرعة والشبان متفرقون كل في عمله.
في هذا الوقت كانت عائلة سامي تتأهب لتناول الغداء، فسمع افرادها صوت سيارات الإسعاف واصوات صراخ وعويل، فخرجوا مسرعين الى الشرفة لتلتقط آذانهم صوت امرأة تقول:”قتلوا سامي”.
في اليوم الثالث على التعازي، وبينما كان المعزون يواسون العائلة والمحازبين بالقول:” نشالله بتكون خاتمة احزانكن”. دخل احدهم الى القاعة معلناً عن استشهاد ايلي ضو في كفرشيما، فأدرك الجميع ان استشهاد سامي هو اول احزاننا في زمن السلم السوري.
