
كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1460:
… وصارت الجبهة هي البيت والبيت عبور موقت. منذ منتصف السبعينات والحال على هذه الحال. لم يدخل الجامعة، ذهب بداية الى “الكتائب” والتحق فيما بعد بـ”القوات اللبنانية”، وبدأت حكايته في المتاريس العابرة لمساحة الوطن، الى أن عبر الى غير مساحات تفوق الضوء بحدودها. نحكي عن طانيوس عزيز رحمة…
“طانوس رح تبقى اليوم ع العشا؟ لااااا بدّي روح إقشع الوطن”، لم تكن الرؤيا واضحة عنده الا عند الجبهة. كان يخشى عندما يغيب عنها، أن يتسلل الخطر من ثغرة ما رغم يقينه أن الرفاق الأبطال يقومون بكل واجبات الدفاع والنضال. لكن كان سرير الجبهة هو الأكثر راحة من كل الأسرّة، لا يطيب له النوم الا عند أعقاب البارودة حيث رائحة البارود “ريحة التراب بالمتراس كتير قريبة بحس حالي قريب من ربّنا كتير”.
قبل أن تصبح دماؤه عجين الأرض، لم يترك جبهة إلا وناضل فيها، حارب المسلحين الفلسطينيين ثم انتقل مع الشباب الى محاربة الاحتلال السوري. هو ابن الفرزل البقاعية، لكنه دافع عن الأشرفية حين دكّها الطاغية، وذهب الى سوق الغرب ودير القمر دفاعًا عن القرى والوجود المسيحي، ولما هبّ المجتمع المسيحي للدفاع عن زحلة، لبّى نداء البشير وصعد في جرود الصقيع، مشي مع الشباب في وعر الجبال والتحق بالمقاومة دفاعا عن شرف المدينة، وعاد معهم مكللاً بالغار، ورأى غبار هزيمة المحتل السوري يقف ذليلاً على أبواب زحلة. رفض أن يفعل كما فعل البعض، البقاء محايداً بحجة وجود قريته ضمن محيط مختلط، وخوفاً من انتقام أحزاب تحوّل مناصروها الى جواسيس لنظام الأسد.
كان “القوميون السوريون” وعناصر “البعث” ينغلون في كل مكان في البقاع، ولم يكترث بهم رغم خوف الأهل وخشيتهم. “أن تكون رمادي الانتماء بهيداك الوقت يعني خيانة” يقول أخوه الذي رفض بداية التحاق طانيوس بالجبهات، لكن “مع الوقت تبيّن لي إنو مستحيل نتغاضى عن واقعنا ولازم نكون بالمطرح الصحيح يعني ع الجبهات”، وهذا ما حصل “من جبهة لجبهة قضى عمرو القصير وأنا ما قضّيت معو الوقت اللازم لأن خطفتو مني القضية قبل ما تخطفو الشهادة” تقول زوجته تيريز.
كانوا ثلاثة شباب في البيت وصبيتين، والخشية على الوطن سادسهم، والانتماء المطلق إليه أولهم وآخرهم. لم يخف يوماً من أي مواجهة، كان شجاعاً من دون تهوّر، ينتبه جيداً الى الخطر المحدق به ويدرس خطواته “كان ذكي بالمواجهة ولم يترك جبهة إلا وخلّف وراءه بصمة أو حكاية عنه تروى للأهل والأولاد” يقول أحد رفاقه في النضال، ويخبر حكاية إقفاله كل الجبهات في المطلّة عندما شعر أن المسلحين يلتفون على الجبهة ويحاصرون الشباب، وحكاية أخرى في زحلة وأخرى في الأشرفية “كتير صعب إحكي عنّو كان كتير كتير قبضاي وشجاع”.
الأولاد؟ من تزوّج القضية هل وجد وقتا للزواج ممن أحب ذات عمر ليتمكّن من الانجاب؟ “إي تزوجنا بكير كنت بالـ 18 سنة، وكنا نحب بعضنا كتير” تقول تيريز. “ما فكّرتِ يوم الزواج إنك تزوجت باثنين القضية وطانوس”؟ تضحك بشجن عميق للسؤال “ما فكرت بشي الا بقلبي، لم نبق معًا إلا خمس سنوات، قضى منها القليل معي والباقي ع الجبهات”. هل فكّرت العروس أن تقنعه بالبقاء الى جانب عيلته الجديدة خصوصا بعدما أنجبا تانيا؟ “هيدا كان طلب مستحيل من طانوس، لأن كان بمثابة القتل المعنوي بالنسبة إلو إنو يترك القضية والشباب ويترك رفاقو لحالن ع الجبهات، كان شي مستحيل”…
عبرت الأيام الى أن جاء القدر الأسود يخيّم فوق أعناق المسيحيين في لبنان، العام 1989، حرب التحرير ما غيرها، تغيّر مزاج طانوس، شارك في تلك الحرب من دون قناعة لأنه شعر أن الخطر يفوق اللحظة، وأن هذه الحرب التحريرية المفترضة، ستؤدي الى غير مكان “رايحين ع الخراب هيك قلبي عم يقلّي” كان يردد لرفاقه. “كان عندو حدس غريب ولم يخطئ حدسه ولا مرة”، يقول أحد رفاقه، إلا… يوم استشهاده، لم يشعر أنه عندما لبس بزّته الخضراء سيصبح لونها أحمر، وأنه لن يعود الى زوجته وابنته تانيا ذات الأعوام الثلاثة، بل سيتأرجح على راحات الدموع في بيته الأخير في الفرزل، لم يتوقع أنها الجبهة الأخيرة في جبهات عمره القصير. كان 8 نوّار من ذاك العام، كان يوما هادئاً نسبياً، لم يشعر أن شيئاً رهيباً سيحصل أو أن الوضع الأمني سيتدهور. كان عند مرفأ جونيه، سقطت قذيفة بقربه فصار حلماً مستحيلاً… وراح تـ يقشع الوطن…
ما بقي منه؟ ابنة تفتخر أنها إبنة شهيد، وزوجة رفضت أن تحمل إسم زوج آخر، وكرّست حياتها لوحيدتها ولذكراه الحلوة، وصور، الكثير منها وغالبيتها بالبزة الخضراء ما غيرها، وتلك البسمة وخصوصاً وهو على إحدى جبهاته يقشع الوطن، ووسام وخنجر وأخبار بطولة يحتفظ بها رفاقه في الضيعة وفي “القوات اللبنانية”، تلك الحبيبة التي تنافس عليها كثر في قلبه، وما استطاع أحد أن ينتزعها من كيانه، فصارت مع تيريز وتانيا هم حبّ العمر، كل العمر حتى الشهادة. فهل من حب أقوى بعد من هذا؟
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
