Site icon Lebanese Forces Official Website

إن ننسَ فلن ننسى: لمّا حمل طارق حقيبته

لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” مع عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

بقلم فيرا بو منصف – “المسيرة” العدد 1415: في المرة الاولى فشلت المحاولة. كان طارق يسكن مع اهله في طرابلس حين جنّت الحرب. فجرا حضّر حقيبته الصغيرة، وضع فيها كل ما يملك من  شجاعة في اتخاذ القرار المبكّر. لكنها لم تكن المحاولة الأخيرة.

هو ابن 16 سنة. تسلل بهدوء نحو الباب وعندما التفت لينظر نظرة الوداع الاخيرة الى البيت، كانت والدته تجلس في عتم زاوية الدار ” يا امي بعد بكير عليك تلحق الحزب بعدك زغير انطور بعد شوي ت تكبر” خاف من دمعها ومن خوفها، فعاد وركن الحقيبة في زاوية الانتظار تمهيدا لتسلل جديد لم يحدد عنوانه ولم يطل أمده.

انتقلت العائلة الى بيروت. كبر طارق عشر سنوات في خلال سنة. ذات  صباح انتشل الحقيبة اياها، خبّأها في حقيبة الكتب الجامعية، ولحق برفاقه. كانت جنت فيه ريح المقاومة. رأى الشباب يتدرّبون وسمعهم يصرخون بالقسم إياه “دفاعا عن لبنان”. ما عاد يطيق الانتظار ولا مقعد الجامعة.  نده عليه  غير صوت. التحق بالبذة الخضراء، خلع عنه الانتظار بعدما عرف انه صار ناضجا  كفاية ليفهم الخطر المحدق بالكيان. صار في القوات اللبنانية. لم تعرف امه. اكثر من سنة وهو يتنقل من ثكنة الى ثكنة وهي لا تعرف. فوجئت ذات صباح بادارة الجامعة تسأل عن غياب طارق المتكرر. وذات ليل عاصف بلهب الحرب، وكان جيش الاحتلال السوري يزرع بيروت هولا ورعبا، عاد فجأة الى البيت ليطمئن الى أهله فوجد امه تركن الى عتم زاوية، اقتربت منه وقبلته “صرت بالقوات تقبرني صرت رجّال روح الله يحميك بس ما تطوّل عليي الغيبة”.  بكى طارق. هي دموع الرجال حين تترقرق لحنان ام  لم تتردد لحظة في  مباركة النضال الآتي على  رياح الخطر والكرامة. هربت العائلة من جحيم  النار الى عمشيت، وبقي طارق في بيروت. كان بيته الثكنة. من وقت لاخر كان يتصل بامه  ليطمئنها “ماما حضريلنا التبولة والكبة النيّة جايي انا والشباب نعمل سكرة”، كانت هذه اسعد اللحظات تقول الست ماري “كانوا يجو بتياب العسكر البدلة الخضرا والرناجر لابسين التعب ومشتاقين للقمة طيبة يعبّو البيت ضجة ويرجعو المسا ع ثكناتن” وقبل أن يذهب طارق دائما تسمعه الصلاة إياها “صلّب ايدك ع وجك وخلّي قلبك كبير يمّي”  يقبل يديها ويخرج محملا بزوادة حب تكفيه العمر كله.


…وجاءت مرحلة حرب الالغاء. 4 /2/ 1990، كان عمره سبعة وعشرون ربيعا. كان يحبّ فتاة ويريد الزواج بها. كان مركزه في منطقة نهر الموت. الأيام صعبة والشهادة تنهمر أنهارا في قلوب المسيحيين تحديدا. ذات صباح وبعد فترة هدوء حذر، فجأة انهال الرصاص من كل مكان، من متراسه رأى صديقه يسقط مضرّجا بالغدر. هرع لانقاذه، صرخوا به “طارق رجاع ما فيك تخلصوا عليك خطر”، لم يتحمّل المشهد،  لم يستمع لنصيحة  أحد صرخ “مش معقول اتركو وحدو هونيك بدّي اسحبو”… ولمّا حاول أن يفعل سقط فوقه وارتفعا معا الى  شهادة السماء…

بعد عرس الجنازة بيومين، جاءت سيدة الى الست ماري لتقدم واجب العزاء، “وشو طلعلك من القوات” قالت لها، لم تجبها “أم طارق” وقفت الى الباب وطردتها من البيت وصرخت في وجهها “ابني شهيد أخد قرار وأنا كنت معو وراضيي عليه كان واعي وعارف لوين رايح”.

وعندما تسألها الآن “هل ندمت لأنك لم تمنعيه من الالتحاق بالقوات؟”، تدمع،  تبتسم، ترفع إشارة الصليب، “استشهد لقضية محقّة وأنا ربيتو ع الحق، بطلب من ربي يحمي كل الشباب ويحمي الحكيم”. ثم تستدرك  ونحن نرحل “أمانة  قوليلو ينتبه على حالو…”.

يقول الشاعر رودي رحمة “دعسات الارض فيها صلا”، هي كذلك بالتأكيد لأن تراب الارض فيه من بخور الشهداء. طارق خوري يسكن الآن حديقة الشهداء في القطارة، فوق رائحة التراب مختلفة، لنا فوق بعض من حالنا، لنا رائحة الكرامة وعبق الحب ووجع وطن نهم  لتضحيات  الشباب، وان لم يرتوِ حتى الساعة من دمائنا، لكن حسبه في النهاية أن يفعل عندما يتأكد أن العلم إياه سيبقى مرفوعا…

Exit mobile version