#adsense

23 آذار… شهادة فخر ودرس للاجيال (بقلم جورج العاقوري)

حجم الخط

بعض الحقبات يزول قبل أن تنتهي مساحاته الزمنية، وبعضها ربما يستمر اكثر ولكنه يتلاشى بفعل مرور الزمن، وبعضها الاخر قد يشكل صفحة في تاريخ البشرية. لكن قلة هي الحقبات التي تغرز في وجدان الجماعات وتشكل دروسا للانسانية اكثر منها تواريخ وروايات، وهذه هي حال محطة 23 آذار 1994 وحقبة حل “حزب القوات اللبنانية”.

قد يعتبر احدهم ان في الامر مبالغة، او أنها “نرجسية قواتية”، وقد يسأل آخرون ما الحاجة للعودة الى تلك المرحلة المشؤومة ما دامت “القوات اللبنانية” شهدت ولادة جديدة، وما دام قطار العمل الحزبي إنطلق جدياً مع إقرار النظام الدخلي والشرعة السياسية منذ أشهر، وفتح باب الإنتساب في 22 شباط الماضي.

23 آذار 1994 ابعد من تاريخ في روزنامة، إنه رسالة لك إنسان وجماعة. فمن تسلّح بالايمان بقضية لا تقوى عليه أبواب جحيم البشر، ولا موطئ  للخوف او الاحبط في نفسه، والله يمهل ولا يهمل وعدالته قد تأخذ أوجها عدة ولكنها حتماً ستتحقق.

حلت “القوات” بقرار مباشر من الاسد الاب للامساك بقبضة حديدية بكل مفاصل لبنان والقضاء عليها كونها شكلت رأس الحربة في التصدي للانقلاب على إتفاق الطائف ومشت يومها بعكس التيار الجارف من المتزلفين والانهزاميين والمرعوبين…  قرار إتخذه بعدما عجز عن ترويضها بالترغيب والترهيب من فبركة الملفات كمحاولة إغتيال الرئيس الياس الهرواي، وزج الرفاق في السجون وإغتيال الرفاق نديم عبد النور، سامي ابو جودة، إيلي ضو وسليمان عقيقي، مروراً تفجير بيت الكتائب المركزي في كانون الاول 1993 ومحاولة توجيه التحقيقات باتجاه “القوات”، وصولا الى الزلال الكبير عبر تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994 وتحويل المؤمنين الى ذبيحة حية عند أقدام المصلوب…

ها هو نظام الاسد “يتشلع” على ايدي شعبه الذي عانى القمع والقهر والظلام والاضطهاد، وها هو الاسد الابن يترنّح بين “جحر” صدام حسين و”خيمة” القذافي للصرف الصحي… وبالطبع مصير الادوات التي إستخدمها نظام الاسد لتفيذ قراره لن يكون أفضل، والبوادر بدأت تظهر: فسامحة الوزير المنتشي بقراءة قرار الحل، سيكون بإنتظاره سنوات طويلة داخل سجنه. وهذا ليس تشف او حقد، بل درس بأن كل ظالم مصيره الظلام مهما بطش.

حل “القوات” توّج بنظرهم خنق التيار السيادي، وتزامن مع خطة مبرمجة لقتل روح المقاومة في صفوفه. خطة لم تقتصر على القمع المادي بل ترافقت مع محاولات التحطيم المعنوي عبر الترويج لمفهوم “الاحباط المسيحي” والعمل على تعزيزه بمرسوم تجنيس وبيع اراض من هنا وقضم أخرى من هناك، بالاضافة الى الاعتداء على اوقاف المسيحيين وغيرها… ها هو “حزب البعث” ينبعث عبر مهرجان خطابي في مجمع “البورتميليو” في قلب كسروان يومها، وها هو “حزب الله” يقيم عراضة عسكرية بملالاته بعد الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000 وتخفق رايات “المقاومة الاسلامية في لبنان” في سماء المتن وكسروان… يطل بعضهم ليسوق لنظرية “حلف الاقليات” براعية نظام الاسد، فيما بعضهم الاخر يقول: دخلنا في “عالم النسيان” فالولايات المتحدة منحت هذا النظام “تفويضاً على بياض” في الملف اللبناني منذ اجتياح العراق للكويت في مطلع التسعينات… ها هو رئيس فرنسا “الام الحنون” جاك شيراك يزور بيروت في نيسان 1996 مصدقاً على هذا القرار، وحين يرى شباباً “إنتحاريين” ينجحون رغم “جباروت” النظام الامني برفع صور الحكيم  مطالبين بإطلقه من المعتقل، يتهكم قائلاً: : Allons donc … يحاول آخرون تعميم السوداوية قائلين: “يا مجانين إنتهى سمير جعجع وزنانته “الشاليه” لن يفتح بابها سوى الى المقبرة، إن لم يمنح عفوا يوم زار البابا يوحنا بولس الثاني لبنان في ايار 1997 ولم يستطع تحسين ظروف إعتقاله يوم زار دمشق في ايار2001، فمن سيهتم لقضيته دولياً؟!”…

أتاهم الجواب الساطع: ها هي شمس الحرية تسطع مع بزوغ فجر ثورة الارز لتطيح بسوداوية قلوبهم ودموية حكمهم… ها هو سمير جعجع يصمد في زنزانته الافرادية 4114 يوما… ها هي “القوات اللبنانية” تنجح رغم العواصف والاعاصير التي إجتاحتها بالبقاء جماعة متماسكة، وإن سقط منها يوضاسيون بتجربة المال وشهوة السلطة… إنه درس آخر بأن الايمان بقضية يغلب كل الصعاب وأنه حين يخيّر المرء بين “نظارة تشرع بمرسوم على شرفه او وزارة قد تشرع له الطريق الى بعبدا” على حساب حياة وطنه، خير له أن يختار نظارة مرشحة أن تكون مسواه الاخير على ان يكون في وزارة مرشحا ليرأس اشلاء وطن ويجعل من سيادته إمرأة جميلة في سوق لبيع الهوى…

حقبة 23 آذار 1994، أنجبت أساطير حية لم تهب الموت والتعذيب… وصورة الرفيق فوزي الراسي مقتولاً جراء التنكيل على يد جلادي النظام الامني يومها والتي راهن هذا النظام  ان تكون كفيلة بأن “يهر” الشباب، أعطت مفعولاً عكسياً، فإزدادوا صلابة وصموداً رغم تفنن “عطية” في إستخدام “البلانكو” والفروج” و… ( عطية كان الاسم الرمزي الذي يطلق على من يتولون التعذيب في وزارة الدفاع يومها)… وكذالك الشهداء رمزي عيراني وبيار بولس ونعمة زيادة وجورج ديب… نعم، اساطير بشرية من لحم ودم، معظمها معلوم في الوسط القواتي ومجهول ربما في المجتمع اللبناني. اساطير بعضها يعاني اليوم قصورا في الكلى وآلاماً مزمنة لا تفارقه جراء تلك المرحلة… اساطير زجت في السجون لسنوات مفتوحة على اللانهاية، ورفضت الشهادة زوراً… اساطير خير رمز لها المناضلة أنطوانات شاهين التي هزت قضيتها الانسانية جمعاء وحركت مشاعر الالاف على إمتداد الارض، وخرجت الى الحرية بعد خمس سنوات من السجن والتعذيب الذي لامس حد الموت. وها هي اليوم تجوب الدول مكرمة وتمنح الاوسمة والميدالية، والاهم الاهم تجسد درسا للبشرية عن النضال، فتدلي بشهادة حياة… 23 آذار شهادة فخر ودرس للاجيال…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

2 responses to “23 آذار… شهادة فخر ودرس للاجيال (بقلم جورج العاقوري)”

خبر عاجل