
أول معرفتي بزحلة كانت بصوت أمي وهي تغني في لحظات صفاء في العصريات: “زحلة زحلة زحلتنا شرب العرق عادتنا…”، أو عندما تتجاذب أطراف الحديث مع والدي رحمه الله، حول خميس القربان أو خميس الجسد في جونيه، وكان يعبر موكبه الحاشد من أول السوق القديم إلى آخره، على غرار احتفال مماثل هو الأعرق والأضخم في زحلة.
انتقلت العائلة إلى منزل آخر، وصادف أن الجيران الجدد “الباب بالباب” مفتش في الأمن العام من زحله، وكان مقداماً قبض على سارق في إحدى الليالي، وزوجته الأنيقة التي اذكر جيداً لهجتها الزحلاوية المحببة.
في المدرسة، كانت زحلة حاضرة مع قصائد المعالفة، “وشوقي ومالي بالخطوب يدان…، ومع روائع سعيد عقل، ومساء مع ظريف لبنان نجيب حنكش على التلفزيون بالابيض والاسود.
وكنا نسمع عن إلهة الكرمة وعيد الكرمة.
في أواخر ربيع العام 1970 وأنا أقارب العاشرة سناً، اصطحبنا والدي إلى البردوني، وأتذكر الشعور الغامر بالفرح، وأنا أشهد للمرة الاولى مدينة تشبه جونيه بقرميدها وجمالها وأسماء أهلها!
في الحرب تعرفت إلى الوجه الآخر لزحلة، وقد سكنني ما أكاد أسميه هاجس هذه المدينة المسيحية في قلب البقاع، والملتصقة بجبل لبنان كما كانت في عهد المتصرفية.
وجاء الثاني من نيسان 1981. ومشاهد كثيرة ما زالت تضج في البال:
القتال غير المتكافئ فوق التلال، الدبابات السورية المدمرة فوق الجسر، قرار مجلس الأمن في سابقة الاعتراف بالمقاومة اللبنانية، تدمير الأبنية فوف رؤوس الأبرياء، عودة المقاتلين من غير أبناء زحلة، و”نُفذ الأمر” أمام بشير الجميل في المجلس الحربي، واستشراء أبطال المدينة من أبنائها على رغم شهادة الدم والعرق والسهر، لتبقى زحلة حرة، وبقيت.
إن الملاحم التي سطرها الزحليون في تلك الحقبة لا يمحوها زمان ولا عدوان ولا نسيان. زحلة اليوم، وبعد اثنين وثلاثين عاماً، تستعيد ذاتها، بل تعيش ذاتها في حقيقتها وجوهرها، وتقف بعزة وإباء لتعلن انتماء القوات اللبنانية إليها، وليس انتماءها للقوات.
القوات في زحلة هي منها ولها، ولا يمكن للقوات أن تكون في قلب زحلة، لو لم تكن زحلة في قلب القوات.
فالقوات اللبنانية ليست مجرد اشخاص أو رموز أو حسابات انتخابية. إنها أولاً روح مقاومة وحرية وكرامة، بما لا يناقض مبدأ الإنفتاح واحترام الآخر، كما زحلة. وقصة القوات وزحلة قصة توأمين لا ينفصلان، لأن حروفها مكتوبة بدم الشهادة، والشهادة وحدها تكفي لإسقاط كل الشعارات والرهانات والمزايدات.
إن زحلة كما أعرف، هي لدى سمير جعجع في مكانة الأشرفية وعين الرمانة وبشري، بل هي في كرمة القوات الغصن الأرحب والعنقود الأطيب.
اليوم في زحلة، إحتفال أصيل ترفرف فوقه أرواح الشهداء، شهداء زحلة من القوات اللبنانية والكتائب والأحرار وسواهم، واحتفال آخر تراوده أشباح زوار الليل والإنتهازيين.
وفي أي حال، تحية لزحلة في عيدها. والسلام.
زحله العنفوان لبنان الكرامة، الحرية السيادة الاستقلال هني القوات اللبنانية. القوات هيي نحن هيي انتو هى الشعب الحر الابي. كل حرية وانتو بخير وينعاد عهالوطن كاس المجد من دون حرب. عناد وثبات بالايمان بالموقف بالرأي الحر المصيب وكل حرية ونحن رجالها.