“إن الزرازير لما طار طائرها
توهّمت أنها صارت شواهينا
لم يُغْنِهم مالنا عن نهب أنفسنا
كأنهم في أمان من تقاضينا”
(صفي الدين الحلي)
صادمة إلى أقصى حد تلك الإعلانات الضخمة المدفوعة التي فرضها مجهول معلوم على أنظار اللبنانيين فانتشرت مثل الطحالب على جدران العواميد والحيطان الرطبة لتمجد ذكرى وزير أتى به سوء طالع اللبنانيين من مجاهل الدولة والأفكار الشعبوية في الإدارة والاقتصاد والاجتماع والسياسة.
هذه الإعلانات تشبه الفطر المسموم بألوانها الزاهية، منقطة بأبيض تظهر فيه صورته بابتسامة صفراء ساخرة ونافرة في الوقت نفسه، تحت شعارات فارغة لا يصدقها حتى كاتبها أو ناشرها أو من دفع أكلافها، فلا أظن أن زوجة الوزير نفسها مؤمنة بعبقريته فهي تعلم أنه نبتة برية عابرة نمت في ظل شعبوية الوالد.
عندما صدمت بهذه المناظر المؤذية لعقول الناس ولذكائهم، تذكرت تلك المزحة السمجة التي كنا نكررها مع بعض الأصدقاء في أعياد ميلادهم، وأحياناً في كذبة أول نيسان، وللمصادفة انطلقت هذه الإعلانات في أول نيسان، هذه المزحة تقضي بأن نهدي الصديق علبة كبيرة مزينة بكافة ألوان الشرائط وعبارات التفخيم والمحبة، وعندما يفتحها يرى نفسه أمام علبة أصغر ثم تتبعها أخرى وأخرى إلى أن تصل بالنهاية إلى ورقة كتب عليها “طلعت فيك يا “شاطر”- كل عام وأنت بخير!”.
وضع معاليه أشبه ما يكون بهذه المزحة السمجة.
لا أريد أن يعتقد البعض بأن استهدافي لحضرته هي لأسباب تتعلّق بالسياسة، فبصراحة لو حقق معاليه أي إنجاز واضح على مستوى وزارته لكنت سكتّ على مضض، أو لربما كنت خشيت لوم مواطن استفاد من إنجازاته. بكل صراحة، فحتى لو قام أي وزير أو مسؤول من معسكري السياسي، بنشر إعلانات مماثلة، لكنت أيضاً شعرت بالغثيان، وربما أكثر! المصيبة هي أن معظم ما نُمي للناس حول إنجازات الوزير هي مخالفات إدارية وصفقات مالية مُنع التحقيق فيها من الوصول إلى نتائج مفيدة تفقأ عين من يتهمه زوراً، أو من يحسده على طول باعه في كسر شوكة الفساد ودحر المعتدين على المال العام!
بدل كل هذه الاعلانات الدونكيشوتية، كنت أنتظر ولو إعلاناً واحداً على مدخل البترون أو تحت جسر في جونية، أو على حائط في عمشيت يقول بالمطلق مثلاً: “من أين لك هذا؟!”, أو “كيف اشتريت طائرتك الخاصة؟!”, أو “كيف صارت كل هذه العقارات مسجلة في خانتك؟”. أو أن تتجرأ إدارة واحدة على فتح ملف اسمه الإثراء غير المشروع! علّني أهذي، أو أنني أحد الحاسدين لمعاليه، ولكنني اليوم أنا فرحان لأنه إن كان هناك إنجاز واحد تحقق باستقالة الحكومة، فسيكون تحرر الوزارة من هكذا وزير، على أمل أن يأتي يوم ويتحرر اللبنانيون من إطلالاته وضحكته الساخرة وتعابيره الموروثة قبل أوانها، عندها يكتشف معظم “المغرر بهم” حتى الآن أن ورقة “طلعت فيك يا شاطر” هي موجهة لهم.
Yeslam temmak Abou Staif