رسالة مفتوحة إلى سمير جعجع

حين قالوا ان السجون للرجال صدقوا، فالدكتور سمير جعجع خرج بعد اعتقاله رجلا من نوع آخر: صلبا كصخرة، جسورا كجبل، مصمما كإعصار، ولكن ابعد من ذلك كله خرج رجل فكر من طراز رفيع… ولكم استمتعت بالاستماع الى الحكيم في مؤتمراته الصحافية والمقابلات التلفزيونية واعجبت بمنطقه الاقناعي في طرح الامور وعقلانيته الراجحة وفكره النير وطرحه الوطني الجامع الذي تجاوز به هواجس الطائفية والتقوقع المرضي خوفا من الآخر.. كما اعجبت بالطريقة الحضارية جدا في التخاطب السياسي التي يفتقدها الكثيرون من السياسيين اللبنانيين، الذين تحولوا زمرة شتامين يرمون الكلام البذيء يمنة ويسرة. لقد استفاد الدكتور جعجع كثيرا من السنين التي قضاها في السجن حيث ثقف نفسه بطريقة مدهشة وتعمق في فهم مكنونات النفس البشرية من خلال القراءة والتأمل والرياضة الروحية…
دخل الحكيم السجن قائد ميليشيا سابقا ورئيس حزب سياسي وخرج رجل فكر ورؤية، رجل دولة يؤمن بالمؤسسات والدستور ومرجعية السلطة. كنت اشعر بأنه يتكلم باسمي واسم الكثيرين من اللبنانيين على مختلف مشاربهم الطائفية والسياسية والحزبية… توجه جعجع بخطاب وطني جامع وتخطى به الواجب التاريخي بحماية المسيحيين الى حماية لبنان الدولة والوطن. حين تعرض لمحاولة الاغتيال الآثمة، تأثرت كثيرا حبا لفكر الرجل وخوفا من الفتنة على وطني الذي اعشق. كتبت قصيدة عفوية “زهرة تحمي ارزة” بسبع دقائق. كان قلقي شديدا على الرجل وعلى لبنان. لولا اقامتي خارج لبنان، لكنت زرته في مقر اقامته وقدمت له القصيدة محفورة على خشب الارز (والحقيقة اني اوكلت تحضير هذه الهدية الى احد الاصدقاء المنتمي الى حزب “القوات” وقد تم تحضيرها بالفعل ولكن لم تتم الزيارة )… وتوالت الأيام ومواقف الرجل الثابتة الى أن صدمتُ ذات يوم باعتماد الحكيم لقانون انتخابي مذهبي يعيدنا عشرات السنين الى الوراء، عنيت المشروع الأرثوذكسي. لم أقتنع بكل الدوافع والمبررات التي ساقها الرجل في إحدى المقابلات التلفزيونية مبرراً تبنّيه وتسويقهُ لهذا القانون. أفضل الموجود لا يكون بالارتداد الى الخلف. حزنتُ فعلاً، فبدل أن يفتح الرجل أبواب حزب “القوات” اللبنانية أمام اللبنانيين من مختلف المناطق والمذاهب ها هو يتوافق مع الرئيس الجميل والعماد عون على هذا القانون ما يهدّد بنسف مبادئ ثورة الأرز. بعض الأعضاء المنتمين الى حزب “القوات” والمتحمسين جدا نراهم يربطون، شعار القوات الجميل، الا وهو الارزة برمز المسيحية وهو الصليب المقدس. مع تقديري للصليب والهلال وغيرهما من الشعارات الدينية، حين نريد ان نعمل في السياسة يجب علينا فصل الدين عن عملنا السياسي والتمدد الى مساحة الوطن. كذلك التركيز الدائم على ذكرى الشهداء مع تحيتي الى كل شهداء لبنان من مختلف الاحزاب يخلق نوعا من العودة الى الوراء. عندما ارتضينا طي صفحة الحرب اللبنانية البغيضة، كل شهداء الاحزاب صاروا شهداء لبنان. وقعت المؤامرة وقتها والكل دفع جزءا من الفاتورة… فلننظر يا حكيم الى المستقبل الذي سيبنيه كل اللبنانيين يدا بيد ونعد الى الخطاب المنفتح على لبنانيتنا وعروبتنا الجامع لكل الناس. لماذا تريد ان تحرمني من ان انتخب من يستحق تمثيلي ويمثل تطلعاتي اذا لم يكن من ملتي؟
لك محبتي وتمنياتي باعادة تقويم المرحلة القريبة الماضية قبل فوات الاوان والعودة الى سياسة الانفتاح على مساحة الوطن. مصير المسيحيين ومصير كل اللبنانيين واحد. فلنتحد.

المصدر:
النهار

2 responses to “رسالة مفتوحة إلى سمير جعجع”

  1. نحن نرحب دائمًا بالنقاش الحضاري وتنوع الآراء، لا
    بل نسعى له لإغناء فكرنا.. وموضوع قانون “اللقاء الأورثوذكسي” خير دليل
    على ذلك. فالقوات اللبنانية وافقت عليه لأنه يشكل مخرجًا من الجمود المتعلق بقانون
    “الستين”، ويفتح الباب (كما هو حاصل الآن) لمناقشة قانون عصري يؤمن
    التمثيل الصحيح لكافة مكونات المجتمع اللبناني وفي الوقت عينه يصب في إطار العيش
    المشترك التي تسعى “القوات” لإرسائه من خلال تحالف “14 آذار”
    الوطني العريض.

  2. هذا القانون طرح ليتم دفن قانون الستين ،،، وأعتقد أن الدكتور جعجع هو الذي استدرج خصومه إلى مكان لا يريدونه ،،،، فبرهن أولاً إنه الحامي الأول لحقوق المسيححين ، وثانياً برهن أن ميشال عون ليس سوى دمية بيد حليفه ….والأيام ستثبت لك يا أستاذ وائل أن الحكيم كان على حق …… وأنا أيضاً لا أحبذ الأورثوذكسي ولكني أثق كثيراً بحكمة هذا الرجل الذي دخل السجن قائدا وخرج منه رجل فكر يخاف على وطنه

خبر عاجل