نيّة “حزب الله” وقراره في الدفع نحو الفراغ، لا يتطلّبان جهداً سياسيّاً لاكتشافهما. فكلّ أدائه يشي بهذه الرغبة، بعد انهيار منظومته الحكوميّة بالصورة الدراماتيكيّة التي حصل فيها، وعلى حين غَرّة منه، خلافاً للتنظيرات التي تحدّثت عن قراره الخفي بإستقالتها.
بين امتلاكه ناصية القرار الحكومي والسياسي والأمني والمالي، في حكومته الراحلة إلى غير رجعة، وبين عجزه الراهن عن الإحتفاظ بهذه الناصية، يرى نفسه مجبراً على السير في آخر الخيل، في حال توصّل الرئيس تمّام سلام إلى تشكيلة تشبهه لجهة اعتدالها ولاحدّتها السياسيّة.
وقد لجأ “حزب الله” إلى أسلوب الضغط والتهويل، على مدى الأسبوعيْن الفائتيْن، كي تكون الحكومة العتيدة سياسيّة يستطيع التحكّم بأدائها، بثلث معطّل أو بما يشبهه. وقد شغّل كلّ محرّكاته وأدواته لمنع الرئيس سلام من تشكيل حكومة حياديّة ذات مهمّة واضحة هي إجراء الإنتخابات.
ولتحقيق هذا الهدف وزّع الأدوار: ميشال عون للتمترس وراء أسماء وزرائه وحقائبهم وكأنّه ما زال في زمن سطوة الأسد، نبيه برّي للظهور بمظهر المتمايز الحريص على توافق المجلس، طلال أرسلان للحَرَد المصطنع، سليمان فرنجيّه لبثّ الشكوك بين أطراف لقاء بكركي، القومي والبعث كإحتياط للرفض المطلق، مع محاولة استرضاء حلفائه السنّة المصدومين والإستثمار في طموحات تدغدغهم.
هذه الأدوات والأدوار لم تُعطِ نتائج ملموسة في المهمّات الموزّعة عليها، ما اضطرّه إلى خوض العرقلة بنفسه، عبر وسيلتيْن ناعمتين في الظاهر خبيثتيْن في المضمون:
– فمن جهة، روّج لمبادرة تسهيل يقدّمها على طاولة لجنة التواصل النيابيّة، وسرعان ما اتّضح أنّها مبادرة تطويل وعرقلة. مندوبه النائب علي فيّاض أعاد كلّ البحث في قانون الإنتخاب إلى مثوى “الأرثوذكسي”، مزايداً على لقاء بكركي نفسه. وكأنّ “حزب الله” أراد إعلان حرب بين ميْتيْن أو بين قتيليْن، “الأرثوذكسي” و”الستّيْن” كي تموت معهما كلّ الإستحقاقات، فيسود الفراغ.
– ومن جهة أخرى، خَفَضَ صوته أمام الحضور السعودي إلى درجة الغزَل والبوح بالحبّ، وطلب من وزير حليفه التدروش والهرولة إلى باب السفارة السعوديّة خطْباً لودّ مَنْ كان هدفاً للرمي بأقذع النعوت والصور.
تغيير حركة حجّ هؤلاء من دمشق وبراد إلى الرياض ومكّة، مكشوفة الأهداف والرغبات. يصحّ فيها القول الشعبي “من يتزوّج أمّي يُصبح عمّي”، كما يصحّ التشويش على الرئيس المكلّف لتعقيد مهمّته وإغراقها بالشروط غير المباشرة.
ولا يخفى أنّ محاولة نقل الخلاف إلى داخل ” 14آذار” من جديد، وبين مسيحيّي لقاء بكركي بالتحديد، هي لتغطية حقيقة الخلاف بين أطراف “8 آذار”.
الرئيس برّي طرح مشروعه المختلط الذي لا يريده شريكاه، فسَحَبَه ثمّ أعاده بحياء. والمسألة هي هنا، يهرب “حزب الله” من دبّ برّي إلى جبّ عون، وفي هذه البهلوانيّة سيقع، ويوقع لبنان في الفراغ .
استراتيجيّو إيران، المشبعون بالبراغماتيّة المناقضة للمفهوم الثوري، لم يَرَوا أفضل من حالة الفراغ السياسي لوكيلهم في لبنان. فطالما أنّ حكومة يطبعها بطابعه لم تَعُد واردة، وحكومة مركّبة بمعايير إنقلابيّة كمعيار “الثلث المعطّل” لا يقبل بها الرئيس المكلّف ولا القوى الأصليّة التي كلّفته ( “14 آذار” + جنبلاط )، وحكومة بوزراء فوق الرؤساء وفوق “طبيعة البشر” غير ممكنة، فليس سوى الفراغ يشكّل مساحة للحركة الحرّة في لبنان وسوريّا والميادين المتاحة في العالم.
ولم يُخفِ فريق “8 آذار” تلويحه بمنع حكومة لا تُرضيه من بلوغ مجلس النوّاب لنيل الثقة، وعدم تسليم الوزراء الجدد حقائبهم، وكأنّها أملاك خاصّة يسيّجها “السلاح الممانع”!
ولئلا يُضطرّ “حزب الله ” إلى تكرار “7 أيّار” و “القمصان السود”، وهو أمر غير متاح في موازين القوى الراهنة، فلا بأس باختراع حرب بين قتيليْن. إنّها حرب الأموات لبلوغ الفراغ.
وشعار ” المزنوقين” كان دائماً: الحاجة أُمّ الإختراع.
مقال رائع وقيّم جداً .
من كنتم وإلام حوّلوكم ؟؟ في أرض جنوبية مفتوحةعلى المأساة والمعاناة كانت الولادة ، وكنتم أطفالاً لا تشبهون سائر الأطفال ، ليس لأنكم في أرض كانت محتلة ، بل لأنكم في بيئةكانت ولا زالت محتلة . علّموكم مشكورين أنّ العدو الأوحد هو العدو الصهيوني ، وأنّ سفّاح الأوحد هو دولة إسرائيل ، وأنّ هدفكمالأوحد هو المثابرة على الممانعة والمقاومة فقط ضد هذا العدو السفّاح . هكذا نشأتم للأسف على كذبة كبيرة ! ليس لأن إسرائيل بريئةمن الإجرام بل لأنهم يضاهونها سفالة وإجراماً ! .. وذات يوم ، أرغموكم على مغادرة البيت والأهل والأخوة والأطفال والأقارب ، بدوناستئذان أحد ، لا دمعة الأم وحسرتها ولا جبين الأب المنكسر ! وأخذوكم .. إلى المواجهة مع إسرائيل ؟؟ طبعاً لا ، بل إلى المواجهة معضمائركم . وحمّلوكم ككائنات خالية من أيّ روح ومن أيّ حقّ في تقرير الوجهة والمصير في شاحنات حملت إلى جانب الذخائر كلّ ما توفّرمن أهداف لاإنسانية ولاحضارية ولالبنانية ! وأمروكم بقتل كلّ حرّ في سوريا ، أكان طفلاً كما كنتم في يوم من الماضي الذي عبر ، أوكان رجلاً كما تتوهّمون أنكم اليوم . وبدأتم تعودون إلى لبنان أشلاء ، وتشيّعون في مآتم جولة ، حيث الأم ممنوع عليها البكاء ، وغيرمسموح للأب أن يسأل ! طبعاً ، فأنتم مجرّد وسائل إيرانية تنتهي مهمتها لحظة الممات وينسى إسمها في اللحظة ذاتها … ولا يلبث هذاالمشهد المسرحي الموسوم بالقهر والإذلال أن يتكرّر مع شاب جديد أوهموه بالواجب الجهادي الذي يوصله إلى الجنّة ، فرحل حاملاً فيأسفل حقيبته صورة أم أو حبيبة وبعضاً مما بقي من شمس الجنوب .. وقريباً ستعود الصورة بدون ظلال أيّ شمس ، وسيعود هو رقماً لا قيمةله ، فيحط جسده الخاطىء حتماً تحت التراب ، لكن روحه الخاطئة بفضل حزب الله لن تدرك حتماً لا وجه الله ولا أيّ جنّة .