#adsense

بين نصر الله وجيم جونز

حجم الخط

“إذا الشمس غرقت ببحر الغمام
ومدت على الدنيا موجة ظلام
ومات البصر في العيون والبصاير
وغاب الطريق بالخطوط والدواير
يا ساير يا داير يابو المفهومية
مافيش لك دليل غير عيون الكلام”
(أحمد فؤاد نجم)

“جونزتاون”
لمن نسي تفاصيل قضية “جونزتاون”، ولمن لم يسمع بها، تذكير علَّ الذكرى تنفع.
انطلق جيم جونز كداعية للمحبة ورفض التفرقة العنصرية ودعم الفقراء والضعفاء في بلد كان عنواناً صارخاً للرأسمالية المتوحشة وللتفرقة العنصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي هو الولايات المتحدة الأميركية. بعد عمل متواصل على مدى سنوات أصبح لقبه الزعيم المحبوب وكان يعتقد أنه موحى له من الماورائيات. مع مرور الوقت تحول جونز إلى شبه معبود ومعصوم لأتباعه الذين لا يعصون له أوامر وقد وعدهم بأن يخلصهم من كوارث آتية لا محالة على البشرية.

لقد دفع جونز جماعته إلى الإعتقاد بأن مؤامرة تحاك ضدهم وأقنعهم بوجوب الهجرة لبناء المدينة الفاضلة. توجه مع مئات من أتباعه من كاليفورنيا إلى غابة في غويانا وأنشأوا مستوطنة سموها “جونز تاون”. كان ذلك إلى أن بدأت إشاعات عن إكراه الناس للبقاء في المستوطنة، مما دفع عضو الكونغرس الأميركي ليو ريان إلى التوجه إلى هناك للتحقيق وأعلن خلالها بأنه سيصطحب معه من هو راغب في العودة إلى الولايات المتحدة الأميركية فاستجاب له قلة فكان نصيبهم الموت مع عضو الكونغرس عندما فتح أتباع جونز عليهم النار قبل مغادرتهم المطار في تشرين الثاني .

هنا قرر جونز القيام بخطوته الجبارة، فجمع أبناء طائفته وأقنعهم بوجوب الإنتحار الجماعي أطفالاً ونساءً ورجالاً تجنباً للعذاب الذي ستنزله بهم السلطات الأميركية. في النهاية فقد حقن الأطفال بمادة السيانيد، وجرعها للرجال والنساء وانتحر الزعيم برصاصة في الرأس، ومن حاول الهروب كانت سواطير الحراس المتعصبين بانتظاره.
المحصلة كانت انتحار شخصاً منهم أطفال ونجا بضعة أشخاص رووا المأساة.

قبل ذلك بعدة عقود، وفي نفق في برلين المحاصرة من قبل الجيش الأحمر شربت ايفا براون زوجة أدولف هتلر ورفيقه جوزف غوبلز وعائلته السيانيد قبل أن يطلق الفوهرر النار على رأسه بعد أن جرّ مليون ألماني إلى انتحار جماعي وجرّ معهم مليون بشري إلى مجزرة جماعية.

من يطبخ السيانيد؟
غريب هذا العناد المَرَضي لبعض البشر الذين يعتقدون أنهم على حق رغم كل المؤشرات التي تقول لهم إن خياراتهم فاشلة.
أسوأ أنواع هؤلاء هو من يعتقد أنه يأخذ الناس بعد مماتهم إلى حياة أفضل فيستدرج الآلاف والملايين إلى إيمان كاذب بزعيم مطلق معصوم وملهم.

كنت قد قررت ألا أسمع خطاب السيد، فكل المؤشرات تؤكد أنه ماضٍ في طبخة السيانيد، فخطابات أعوانه هي هي، والمسوغات الركيكة حول الدفاع عن القرى الشيعية والمقامات الدينية هي هي، وما اختلف هو أن السيد واقف في الصورة إلى جانب الولي الفقيه بدلاً من تقبيل العباءة، كتعبير عن وحدة القرار وصلابته، للذهاب إلى النهاية في القتال للحفاظ على بشار الأسد. ما فعله السيد في خطابه هو أنه أخرج المزيد من الأرانب البلاغية من تحت العمامة ليجعل من قتل الناس في سوريا واجباً مقدساً، وليؤكد أن الملائكة التي حرست جنوده في حرب ستتجند لحمايتهم في القصير ودمشق وحلب وحمص وإدلب. وسيؤكد أيضاً أن الإستشهاد في سوريا له القيمة نفسها للإستشهاد في الجنوب لأنه يأتي في سياق حماية ظهر المقاومة. طبعاً، لن ينبري أحد ليسأله عن تركه لخطوط “المواجهة مع العدو الإسرائيلي في حماية جنود الإستكبار الدوليين”، فالأجوبة حاضرة بأنه حسب الحساب لكل ذلك!

لن أدخل أيضاً في متاهة تعداد قتلى الحزب، أو أسترسل في الحديث عن الانشقاقات في البيئة الحاضنة للحزب، ولن أراهن حتى على ثورة شيعية على مشروع ولاية الفقيه، فكلها لن تجدي نفعاً الآن في ظل حفلة الجنون الجماعي التي فاحت منها رائحة السيانيد المطبوخ واستدرجت إليها مجموعات أخرى تحت عناوين معاكسة تعد الناس بنفس ما يعدهم السيد به، الجنة والحوريات حتى ولو كان عنوان الإستشهاد لدى كل طرف عكس الآخر.

عجيبة غريبة متاجرة أهل الدنيا بالآخرة، وكيف يصدق بعضنا وعودهم المتضاربة والمتعاكسة؟.
المهم هو أن خطاب السيد لم يأتِ بشيء خارج المألوف، فكلنا يعلم بأن القرار لقائده العام هو الإستمرار إلى النهاية، لأنه بنهاية بشار ستكون حتماً نهاية مشروع ولاية الفقيه، و”حزب الله” لن يكون أبداً كما كان بزوال النظام السوري، فما قاله السيد هو بشارة بأن ما يحصل الآن ليس إلا البداية، وأنه لن يخفي بعد الآن أعداد قتلاه، وأن المعركة مفتوحة لتدخل عليها عناصر جديدة، مؤكداً أن إيران ولاية الفقيه لن تكتفي بالتضحية بدم اللبنانيين، بل ستقحم إيرانيين في المعركة في يوم آت، ومن يدري بعدها بمن يستعين لينقذ بشار؟!

المصدر:
المستقبل

One response to “بين نصر الله وجيم جونز”

خبر عاجل