“قميص عون”! (بقلم طارق حسّون)

عندما كان العماد ميشال عون يُحرّض السيد حسن نصرالله “لقلب الطاولة والإنقضاض على البيئة المسيحية”، بحسب ما نقلت عنه صحيفة “السفير” بتاريخ 17 تموز 2010، لم تكن لا الإنتخابات النيابية على الأبواب، ولا شعاراتها التجييشية التعبوية ضرورةً انتخابية، وإنما كان الإنقضاض على نتائج إلإنتخابات التي سبقت، وممارسة التهديد والتهويل بحق “القوات اللبنانية” والشارع المسيحي، هو المطلوب فحسب.

اليوم، وقد اصبحنا عند اعتاب انتخاباتٍ نيابيةٍ مفترضة، تراجع “التحريض ضد البيئة المسيحية” ظاهرياً ومرحلياً، ليدّعي “المُحرّض” ذاته، بين ليلةٍ وضُحاها، تحولّه الى “المنقذ والمُخلّص والمسيح المنتظر” للمسيحيين!

عندما كانت “الثوابت الوطنية تُظلل علاقة العماد عون بتيار “المستقبل” وتُبقيها فوق التنافس الإنتخابي”، بحسب ما أعلن العماد عون نفسه بتاريخ 30 ايار 2005، كان الدكتور جعجع لا يزال تحت “سابع الأرض”، وكانت موجة التحريض العونية ضد ما سُميّ بالتحالف الرباعي قد اعطت ثمارها العونية المرجوّة. فانحسرت، وباتت الضرورات الحكومية تُبيح  للعونية، التزلّف والتملّق والإنبطاح لتيار المستقبل، بغية استدراج عروض اسعارٍ وزارية دسمة، وقتها.

اليوم وقد اصبحنا عند اعتاب انتخاباتٍ نيابيةٍ مفترضة، عاد التحريض ضد “تحالفٍ ثلاثي” الى المربّع الأول، ولكن غداً، عندما تنتهي الإنتخابات مرّةً اُخرى، فتبدأ مشاورات تأليف الحكومة من جديد، يعود التزلّف والتملّق و”الزحف العوني الى السفارات”، الى مربّعه الإنبطاحي المُعتاد.

العماد عون حاضرٌ على الدوام لإقتناص فرصٍ متتالية اضاعها القدر، وأحياناً، قُصر النظر. لا شكّ ان العماد عون هدّافٌ ماهرٌ، يُتقن فن المراوغة وتسجيل الأهداف في مرمى اللحظات القاتلة من تاريخ المسيحيين.

فعلها في العام 1989 خدمةً “لـلضابط الكبير”، عندما كان المسيحيون على وشك إعلان لامركزيتهم السياسية في اوج قوتّهم الذاتية، وفعلها مجدداً في العام 2005 خدمةً لنجل “الضابط الكبير” عندما كان اللبنانيون على وشك التخلّص من ترسّبات وبقايا الإحتلال، في اوج سطوع ثورة الأرز. وها هو اليوم يحاول فعلها من جديد، في اوج انتفاضة الشعوب العربية وخروج المارد السنّي من القمقم، واضعاً المسيحيين على طريق الفيلة.

إن هدفية اقتراح “قانون الأرثوذكسي” لا يمكن ان تتحقق بمعزلٍ عن إرادة وموافقة طوائف لبنانية برمتّها، وإلاّ جاء إقراره، بمثابة صحوةٍ مسيحية تسبق الموت الأخير.

لا يُلام بعض المجتمع المسيحي إن هو وقع تحت تأثير خزعبلاتٍ من هنا او صدّق اوهامٍ من هناك، فهذه ميزة تتقاسمها المجتمعات اللبنانية كلّها.

ولا يُلام العماد عون على ممارسته الألاعيب الخفيّة والخزعبلات السياسية المشروعة لتحقيق اكبر قدرٍ من المكاسب السياسية، وإنما موضع الملامة الرئيسي يكمن في تحالفه مع النقيض الوجودي للمجتمع المسيحي، وتهديده مقوّمات هذا الوجود من اساسه.

ما نفع اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي وما مردوده الإيجابي على المسيحيين، إن لم يقترن بتغييرٍ يطال شكل الدولة من اساسه، بما يُعيد للجبهة اللبنانية إحياء مشروعها التاريخي الذي سبق لجنرال “الأرثوذكسي” ان انقض عليه في العام 1990، بحجة ان “القوات اللبنانية تريد تفريق محمد عن انطون وعزل جوزيف عن معروف”؟ فهل يوافق “حزب الله” على إعطاء “العصفور وخيطه” للمسيحيين، ام يكتفي بإعطاءهم “الخيط” ثم يستأثر لاحقاً بـ”العصفور” لنفسه؟

إقرار هذا المشروع بالشكل الذي يريده عون ليس سوى “شيك دون رصيد” في افضل الأحوال، وسمِّ ممزوجٍ بالدسم في اسوأها.  إقراره بشكلٍ استفزازي، ليس سوى مرحلةٍ إنتقالية لتمكين “حزب الله” من إحتواء المسيحيين وإضعافهم، من خلال عزلهم عن باقي المكونّات اللبنانية، تمهيداً لبسط سيطرته المطلقة على لبنان.

كيف لحزبٍ عقائدي مشروعه الاستراتيجي المعلن في وثيقته التأسيسية، هو الجمهورية الإسلامية الإمامية الشمولية، ان يعترف بقانونٍ إنتخابي تعددي، يوقف له تمددّه السياسي داخل الطوائف الأخرى، إن لم يكن هذا القانون خطوةً تكتيكية مدروسة، تخدم اهدافه الاستراتيجية الكبرى؟؟!

يدعّي العماد عون انه “بالأرثوذكسي وحده يحيا لبنان” ولكن بالمقابل فهو يستفّز، ويُهدد ويعرض عضلاته، ويُخوّن، كأنه يريد إحراج “القوات اللبنانية” لكي يخرجها من مزايدة التصويت على “الأرثوذكسي”. فهل هكذا تتحقق مصالح المسيحيين؟

إن من يحرص فعلاً على مصلحة المسيحيين، لا يُهدد ولا يُخوّن ولا يستقوي، وإنما يفاوض ويناقش، ويُحاول “مثنى وثلاث ورباع”، و”يُجادل بالتي هي أحسن” من اجل تحقيق مبتغاه وخدمة مصالح المسيحيين بأقل ضررٍ ممكن. امّا ما يفعله العماد عون فهو المزايدة بعينها.

الفضيلة وسطٌ بين متطرّفين. طروحات العماد عون ابعد ما تكون عن فضيلة الفضيل، واقرب ما تكون الى ر ذالة “الرذيل”، فهو يريد بالفرض سوق الجميع الى إقتراح قانونٍ غير توافقي قد يعزل المسيحيين، وإلاّ فبديله عن ذلك، هو إقتراح قانونٍ يُذيب المسيحيين دفعةً واحدة، كالدائرة الواحدة.

امّا قانون “الوسط” كالمختلط، فلا مكان له في عقليةٍ متطرّفة إلغائية استئثارية فاشية، كالتي خبرناها، منذ ما قبل حروب الألفي شهيدٍ في العام 1990، وحتى اليوم!

لو كانت دروب “الأرثوذكسي” مفروشة بالرياحين، لما علقّت لجنة بكركي اجتماعاتها اكثر من مرّة، في سبيل البحث مع الأطراف الإسلامية، عن بدائل مقبولة.

فتّشوا عن جبران!! المزايدة والتحريض هي من الأسباب الجليّة لحملة العماد عون ضد “المختلط”، امّا الأسباب الخفية فتكمن في ان إقتراح “المختلط” لا يلحظ، في دائرة البترون، إنتخاب اي مرشحٍ عبر النسبية. لا حظوظ “للصهر” إذاً في مبارزة “المختلط” البترونية، امام “اساطين” سياسية وشعبية، كأنطوان زهرا وبطرس حرب!

لو كان الأمر مغايراً لذلك، ولو كانت دائرة البترون تتسّع لمقعدٍ إضافي يُنتخب بالنسبية، لتقدّمت حظوظ “الصهر” تلقائياً، ولوفّرنا على انفسنا هذه الضوضاء وهذه الضجّة وهذا العلك المُقرف والممجوج.

إن من انقض على الذراع العسكرية الصلبة للمسيحيين دون ان يرف له جفن، ليعود لاحقاً اليهم محاولاً إيهامهم بضرورة شرعنة “ذراعٍ عسكرية” تتبع لطائفةٍ اُخرى، ليس المرجع الصالح لتحصيل حقوق المسيحيين.

ليس التفريط بحقوق المسيحيين من شيم “القوات اللبنانية” التي قدّمت خيرة رجالها قرباناً على مذبح الوجود المسيحي الحر في لبنان والشرق، وليست المساومة والصفقات السوداء من معجنها وهي تلقّت السهام من الأقربين والأبعدين في سبيل قضية هذا الوجود.

وكأننا عشية حرب إلغاءٍ جديدة… التحريض ضد “القوات اللبنانية” في اوجّه، الرجم والصلب والسحل والسمل احكامٌ مُبرمة سلفاً اصدرتها محاكم التفتيش العونية بحق المقاومة المسيحية… ارجموها، اصلبوها، اقتلوها، هكذا صرخ الحاقدون والموتورون وبقايا حزب “البعث” و”القومي” وحثالة المجتمع الذين تلطّوا خلف العباءة العونية في ذلك الوقت، رافعين “قميص حقوق المسيحيين” على اسنان “الطائف”…

وهكذا يعاودون صراخهم من جديد، رافعين “قميص التمثيل المسيحي” على اسنان “الأورثوذكسي”…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

3 responses to ““قميص عون”! (بقلم طارق حسّون)”

  1. ميشال عون وهم ونقطة غلى السطر انه لا شيئ

خبر عاجل