هاشلة “العونية” من “الأرثوذكسي”… الى الستيّن! (بقلم طارق حسّون)

*ملاحظة في الاساس: هذا المقال مهدى الى حبيب البستاني صاحب مقال منشور في جريدة “الاخبار”

عيد القديسة بربارة لا يُصادف في هذه الأيام بالطبع، إلاّ ان المسرحية التي تم عرضها على مسرح التيار العوني اخيراً، أعادتنا الى أجواء المناسبة، حيث “القناع” هو ابرز ما يُميّز طقوسها الإحتفالية.

في غمرة مسرحية الغش والأقعنة العونية المستمرّة، كان لا بد من استذكار تاريخ العونية المديد، مع “الأقنعة” والغش والتقلبات.

بدّل رئيس الجوقة العونية قناعه مع تبّدل المناخ السياسي والتوازن الداخلي في البلاد. اول الغيث، كان “قناع الملاك جبرائيل” الذي وضعه رئيس العونية، للولوج الى كنف “القوات اللبنانية”، يوم كان الأخير يعمل في خدمة قائدها بشير الجميّل.

مع تزايد النفوذ السوري في لبنان بعد العام 1983، بدّل رئيس العونية قناعه، فانتقى لنفسه قناعاً اكثر ملائمةً للمرحلة، وسعى من خلال التمظهر بمظهر الاعتدال والتمايز بمواقفه عن سياسة الأحزاب المسيحي، الى لفت انتباه “الضابط الكبير” حافظ الأسد وبعض ادواته الداخليين، الذين رأوا فيه حصان طراودة ممتاز، وذلك بعدما تبنّى العماد ابراهيم طنّوس نهجاً وطنياً واضحاً يتماهى مع قضية “القوات اللبنانية”، يومذاك.

تمكّن رئيس العونية من الحيازة على ثقة “الضابط الكبير” الذي طرح اسمه بقوّة لتولّي قيادة الجيش اللبناني بعد إزاحة العماد ابراهيم طنّوس عنها، فبدأ اذّاك مشوار “الأقنعة” الطويل مع رئيس العونية، الذي سعى بكل ما أوتي من شعبوية ومصلحية ووصولية، الى تسلّق سلّم السلطة، من دون ايلاء ايّ اهتمام، لا لقضية وطنه وشعبه، ولا للقسم الذي ادّاه قبلاً.

اوفد رئيس العونية دعاته الى الشام بهدف الترويج له رئيساً عتيداً للجمهورية، فتكلّم بلغة “معتدلة موزونة” (على غير عادته)، محاولاً إقناع “الضابط الكبير”، بعدائه للأحزاب المسيحية، وذهب بعيداً في تملّقه، لدرجةٍ ابدى فيها رغبته للالتحاق كـ”ضابطٍ صغير” في الوية “الضابط الكبير”.

وللتدليل على صدق نواياه تجاه “الكبير”، عمد “الصغير” الى التضييق على عناصر “القوات اللبنانية” وتوقيفهم وسوقهم الى اقبيته، لاسيمّا عند حاجز المونتيفردي. كما قامت عناصره بتنفيذ سيناريوهات انتشارات امنية مكثّفة، موجهّاً بذلك رسالة لمّن يهّمه الأمر في سوريا، فحواها، القدرة على ضبط الوضع في المنطقة الشرقية، والسيطرة على منافذها ومرافقها الحيوية عند اول اشارة ايجابية يتلّقاها من “الضابط الكبير”.

لم يُبدِ “الكبير” حماسةً زائدة تجاه عروض اسعار “الصغير” المتتالية، وان كان قد ابقى على باب اللقاءات السرّية مفتوحاً من خلال موفدين متبادلين، امثال الأستاذ فايز القزّي والمسؤول القومي السوري رياض رعد. كان للأجندة السورية في لبنان افضليات على “الصغير”، منها على سبيل المثال لا الحصر، الرئيس الراحل سليمان فرنجية، الذي اعادت القيادة السورية طرح اسمه لولاية ثانية مطلع العام 1988.

ومع افول ولاية الرئيس امين الجميّل الرئاسية، عادت اوهام “الصغير” وشبقه بالكرسي تطفو على سطح الحياة السياسية في لبنان من جديد، فأعاد وضع قناع “جبرائيل” القديم ، متوسّلاً التقّرب من “القوات اللبنانية” وقائدها سمير جعجع بهدف قطع الطريق على اي مرشّح آخر للرئاسة، وقد توّج “الصغير” مكره هذا، بأن اقسم للدكتور جعجع بيده “المكسورة” آنذاك، على ان يُعامل عناصر “القوات اللبنانية” على غرار عناصره بالذات، وذلك في مقابل ان يوفّر له الدكتور جعجع الدعم اللازم لتولّي رئاسة الحكومة الانتقالية.

بعدها بأيامٍ قليلة، كان “الصغير” يعقد مؤتمراً صحافياً يرفع في خلاله علم “القوات اللبنانية”، ثم يضع العلم فوق رأسه، مُردداً امام شاشات التلفزة:”هذه قضيتي”!!

ما ان حقق “الصغير” مبتغاه حتى ادار ظهره لـ”القوات اللبنانية”، فأعاد الى وجهه “قناع” الجّلاد، وبدأ بالتقرّب مجدداً من “الكبير”، الذي اجاد التعامل مع حالته النفسية جيداً، فمرر له “الكبير”، بدهائه المعروف، رسائل مشفّرة خلال انعقاد مؤتمر تونس في العام 1989، فترجمها الأخير على الأرض، حرباً ضروساً شنّها ضد “القوات اللبنانية”، قبل ان يُلاحظ بأن “التلميحات” السورية كانت مجرّد مناوراتٍ لكسب الوقت، وهي بالتالي لا تحمل في طيّاتها اي طرحٍ جدّي لدعم وصول “الصغير” الى سدّة الرئاسة.

في اقّل من شهر، اعاد “الصغير” “قناع جبرائيل” مجدداً، متبنّياً شعارات المقاومة المسيحية،  معلناً حربه التحريرية ضد “نظام السجون والقبور”. وكالعادة بادر الى الإتصال بـ”القوات اللبنانية”، بغية توفير الدعم العسكري واللوجستي اللازم له، لمتابعة استعراضاته “التحريرية”…

انتهت “حرب التحرير التدجيلية” ومني “الصغير” بخسارة موصوفة، فتم التداعي الى مؤتمرٍ في الطائف. اعطى “الصغير” الضوء الأخضر للنواب للذهاب والتفاوض، علّ الرأي يقّر بينهم على تولّيه سدّة الرئاسة، فبدأ “الصغير” التمهديد لذلك، عبر التنكّر لحربه ضد “الكبير” واصفاً إيّاها بـ “التنفيسة”.

تضاءلت آمال “الصغير” بالوصول الى رئاسة الجمهورية، فانقلب مجدداً، بين ليلة وضحاها على “القوات اللبنانية” والفاعليات المسيحية، الروحية منها والزمنية، بدءأ بغبطة البطريرك صفير، وصولاً الى النواب والشخصيات والأحزاب الأخرى.

فشل “الصغير” في السيطرة على لبنان بأكمله، والتربّع على كرسيه الأولى فحاول السيطرة بقوة السلاح على احد اجزاء هذا الـ “لبنان”، فوضع على وجهه “قناعاً وطنياً نظيفاً”، يدعو “لمحاربة الميليشيات” و”تكنيس الفخّار المكسّر”، لمصلحة سلطة الدولة والقانون”!!! قناعٌ، اخفى تحت ملامحه مشروعاً تقسيمياً انقلابياً هدفه السيطرة على المناطق المسيحية واستبدال “ميليشيا” “القوات اللبنانية” بـ “ميليشيا” “الصغير” المُقنّع ليس الاّ…

افضت حروب “الصغير” العبثية الى تدمير المناطق المسيحية، وضع قناع “قبطان السفينة”، لكنه ما لبث أن نفذّ مقولة “الهريبة تلتين المراجل”، ففرّ “القبطان”، غير آبهٍ بزوجة او ولد او برجال يتهاوون فوق روابي سوق الغرب وضهر الوحش.

مع وصوله الى الأراضي الفرنسية، عاد “الصغير” الى “مرجلاته” السابقة، خصوصاً بعد ان تأكد له أنه بمنأى عن الخطر الجسدي المباشر داخل اراضي دولةٍ تحترم نفسها كفرنسا.

ضاق هامش المناورة امام السوريين خاصةً بعد الضغوط الداخلية والخارجية الكثيفة التي تعرّضوا لها اثر صدور القرار 1559 واستشهاد الرئيس رفيق الحريري، فعاد حلم “الصغير” يدغدغ مشاعره المرهفة!!!

استغل السوريون هذا الأمر وسارعوا الى ايفاد اللواء آصف شوكت، وإميل إميل لإبرام صفقة “العودة ليكس” قبيل عودته الى لبنان. ومع عودة “الصغير” الى الأراضي اللبنانية تناول “قناع جبرائيل” القديم، طارحاً نفسه بقوّة كـ”منقذٍ للمسيحيين ومسيحهم الآتي، صانع التحرير واب القرار 1559، نازع سلاح الميليشيات اللا شرعي”.

توّج “الصغير” تمثيليته تلك، بزيارة “وجدانية” “عاطفية” قام بها الى سجن وزارة الدفاع في اليرزة، كالعادة، لاستجلاب عطف القوات اللبنانية ومناصريها من جهة، وللفوز بدعم الدكتور جعجع السياسي من جهة ثانية… الاّ ان الدكتور جعجع الذي اجاد جيداً التعامل مع الاعيب “الصغير” وتبّدل اقنعته بتبّدل الرياح والمصالح الآنية، قطع له طريق العودة “اليهوذية” من دون ان تمكّنه ظروف الاعتقال من شرح وجهة نظره للمجتمع المسيحي، فانقاد هذا المجتمع وراء “قناع جبرائيل” الذي فعلت فيه السنين فعلها لكثرة الاستعمال والتبديل!!

في الرابع عشر من آذار من العام 2005 تقاطر اللبنانيون الى ساحة الشهداء بأعدادٍ مليونية، وجاءت هذه الخطوة كرّدة فعلٍ على تظاهرة “شكراً سوريا”. في الليلة نفسها، اي يوم الرابع عشر من آذار، اتصلت “قناة الجزيرة” بـ “الصغير” في منفاه الباريسي، لسؤاله حول موقفه من هذه التظاهرة ، فكان أن “وجّه الشكر للسيد حسن نصرالله لتسببه في التظاهرتين، التظاهرة الأولى كونه دعا اليها مباشرةً، والتظاهرة الثانية، في الرابع عشر من آذار، التي جاءت كردّة فعل جماهيرية عفوية على خطاب نصرالله الإستعلائي”.

استطاع “الصغير”، بعد ان “تقنّع” بقناع جبرائيل، من اكتساح معظم المقاعد النيابية المسيحية، ولكن ما إن انجز المهمّة الموكولة اليه، مقابل تسهيل وصوله لرئاسة الجمهورية، حتى نزع ذلك القناع مجدداً، فرمى ببرنامجه البرتقالي جانباً، وتبرّأ من ابّوته للقرار 1559، متناسياً تاريخ “القناع جبرائيل” الطويل، وكل المبادىء الوطنية، التي اوهم الشعب اللبناني، انه يناضل لأجلها.

ما اشبه اليوم، بظروف وحيثيات “العودة ليكس”. “الصغير” أعاد “قناع جبرائيل” الى وجهه، محاولاً إيهام المسيحيين انه ضد تدخّل “حزب الله” في سوريا، وبأنه يُريد استعادة الحقوق المسيحية المسلوبة، وقد مهّد لهذه المسرحية بتحريضٍ دعائي، مترافقٍ مع زياراتٍ عونية للدكتور جعجع.

مسرحية الغش والرياء التي اعتادت العونية عرضها منذ سنواتٍ طويلة، بدءاً بمسرحية “الشيخ” المزعوم عفيف الصندقلي، وصولاً الى “حرب التنفيسة” و”أنا القبطان”، ثم “الأبوة المزيّفة للـ 1559″ والتنكرّ له لاحقاً، و”البرنامج البرتقالي” الذي اُخفي من الأسواق… الخ.. مسرحية الغش والأقنعة تلك، تحاول العونية استكمالها اليوم، من خلال موضوع “الأرثوذكسي”، ولكنها تريد بالفعل خوض الإنتخابات بقانون الستين.

ما إن تنتهي مفاعيل الإنتخابات النيابية، حتى تعود العونية الى وضع “القناع” إيّاه، الذي برر لـ”حزب الله” اغتيال النقيب سامر حنا، وطالب اللبنانيين بالإعتذار من “نظام السجون والقبور”، وسخر من استشهاد بيار وجبران وسمير قصير، وعطّل البلاد والعباد من اجل الصهر، والكرسي، والأموال الطاهرة.

كل يوم هو عيد بربارة للعونية…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

3 responses to “هاشلة “العونية” من “الأرثوذكسي”… الى الستيّن! (بقلم طارق حسّون)”

  1. ما اروعك على هذه المقالة الحقيقية…رائع واستمر رجاء.

خبر عاجل