في حديثه التلفزيوني حضر سمير جعجع ومعه عقله الواضح والممنهج، بعد حملة «إخبارية» شعواء شنّها عليه النظام السوري برغم انشغاله في قتل شعبه وتدمير سوريا على امتداد رقعتها الجغرافية، وللمناسبة بعد انتهاء معاناة الشعب السوري وانهيار هذا النظام المجرم سيُستقبل «الحكيم» في دمشق كما يليق بأبطال الثورة السورية الكبار، فقد كان سباقاً لخوض معركة لبنان في وجه الاحتلال السوري و»منفرداً»، كما حضر ومعه منهجيته الرياضية في الردّ على أسئلة حقيقة يخجل اللبناني الآخر عندما يكتشف أن المسيحيين وبعد هذه السنوات الطويلة من معاناة لبنان ما زال عندهم الطاقة والجَلَد والغريزة للتعاطي مع لبنان على هذا الشكل من المكاسب والمخاوف!!
ومن ضمن هذه المخاوف، في حين أن مخاوفهم الحقيقية يجب أن تكون من صاحب التاريخ الطويل في التضحية بهم وبأبنائهم «الحالم الدائم» بالرئاسة الأولى والذي لا يرده عقله عن إحراق البلد كلّه ليصبح «صاحب الفخامة»، والخوف الحقيقي عليهم من أخذ ميشال عون لهم ورميهم تحت أقدام داريوس الإيراني ومطامعه الفارسية في المنطقة، وليتهم يعودون إلى التاريخ ليقرأوا ما حلّ بكنيسة القيامة وكيف كان حال المسيحيين زمن الخلافة الفاطمية الشيعيّة، لأدركوا عندها أن الخطر ليس في القانون المختلط ولا في عدد النواب المسيحيين، بل الخطر الحقيقي في بقاء إيران مسيطرة على لبنان عبر احتلال حزب الله له، وعبر ورقة التفاهم التي تغطي كلمة احتلال وتستخدم تمويهاً كلمة «مقاومة»!!
وجد «الحكيم ضالته» في حكاية يد الطفل وجرّة العسل ووكر النحل، فالصبي أدخل يده في الجرة فعلقت في فخّ قرص النحل حتى تورمت وبات إخراجها مستحيلاً، وبدلاً من أن يفكّر أهل الضيعة بكسر الجرّة، قرروا قطع يد الصبي»!! بكل هذه الرمزيات والإسقاطات تعامل سمير جعجع مع الوضع المسيحي القائم، وللحقيقة لم يخب رهاننا على حكمة هذا الرجل ولا على قدرته على الحوار، ولا على قناعته الحقيقية بقيام الدولة اللبنانيّة ونهاية زمن الميليشيات، وإنه لمن الأمور التي تزيدنا إعجاباً بهذا الرجل أنه في زمن الميليشيا كان صاحب مشروع الفدرلة، وفي زمن السلم، هو صاحب مشروع قيام الدولة، والمتمسّك الحقيقي بغير مصالح تتوافق أو تتعارض صاحب قناعة حقيقية في حماية العيش المشترك ودور لبنان كرسالة، بدا لنا في لقائه التلفزيوني وكأنه يذكرنا بلبنان ودوره ودورنا في لحظة عارمة بالفوضى، لا يريد فيها محور الشر للبنان أن يمارس ديمقراطيته من دون سيطرته وأذنابه عليها، الإرشاد الرسوليّ «رجاء جديد للبنان» التضامن مع العالم العربيّ ـ عدد 93.
«لقد ميّز الله منطقة الشرق الأوسط فجعل منها مساحة حواره مع البشريّة جمعاء. وهذا يلقي على المسيحيّين والمسلمين مسؤوليّة متبادلة، باعتبار أنّ الجميع جزء لا ينفصل عن حياة المجتمع، كاملو العضويّة في الجماعة الوطنيّة بكلّ ما لهذه الجماعة من حقوق وواجبات. على الجميع العمل على تخطّي الصعوبات الحاليّة، وتوفير شروط التلاقي والحوار البنّاء، فيبقى شرقنا العزيز أرضًا طيّبة لعبادة الله ولرقيّ الانسان. «وفي الواقع، إنّ مصيرًا واحدًا يربط المسيحيّين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة. وهم مدعوون لكي يبنوا معًا مستقبل عيش مشترك وتعاون، يهدف إلى تطوير شعوبهم تطويرًا إنسانياً وأخلاقياً؛ وعلاوة على ذلك، قد يساعد الحوار والتعاون بين مسيحييّ لبنان ومسلميه على تحقيق الخطوة ذاتها في بلدان أخرى».
هذه هي جرّة لبنان التي لا يريد لها سمير جعجع أن تنكسر، لأنها إذا انكسرت لن يبقى لا مسيحيين ولا مسلمين، وأن أولوية حماية لبنان بعدما أخذه حزب الله إلى قتل الشعب السوري أن تجدد مؤسساته دمائها وتتحرّر من أخطبوط «الحزب والحركة»، والسيطرة على الرئاسة الثانية وشل الرئاستين الأولى والثالثة!!
أما تهمة الذكاء الموجهة للحكيم باعتباره عينه على رئاسة الجمهورية ولكنه لا يعلن هذه الرغبة لشدة ذكائه، في لحظة يظهر فيها أحمق كبير تمسكه حتى الموت بأن يكون رئيساً ولو ليوم واحد، فلهذا حديث آخر نستكمله غداً إن شاء الله.
لقراءة الجزء الأول: سمير جعجع يخوض حرب اللبنانيين مسيحيين ومسلمين [1 /3] ![]()