ما أشبه اليوم بالبارحة. النائب ميشال عون يرتكب الخطايا، والمسيحيون يضرسون. أربع خطايا سياسية ومميتة ارتكبها عون في حق الوجود المسيحي ولا يزال يبتسم. أربع خطايا مميتة، لا ولن تنفي ان “القوات اللبنانية” لُدِغَتْ من جحر عون مرتين! لا بأس، فحتى تلاميذ المسيح ناداهم سيدهم يوما “يا قليلي الايمان”.
خطايا عون الاربع هي: “حرب التحرير”، “اتفاق الطائف”، “القانون الارثوذكسي”، “القانون المختلط”. كيف حوَّل عون عدل هذه القضايا، خطايا وهزائم؟ اليكم الجواب:
قبل اكثر من ثلاثين سنة، سبقت “القوات اللبنانية” ميشال عون وكل المسيحيين في رفع لواء “تحرير لبنان من الاحتلال السوري”. واليوم، “القوات اللبنانية” نفسها، سبقت عون في رفع لواء “قانون اللقاء الارثوذكسي للانتخابات النيابية”. واليوم كما البارحة، رفع عون كأس انتصار فارغة، وشرب المسيحيون هزيمة جديدة.
في ذلك الزمن، كان ميشال عون، “ابن الدولة” التي هادنت الاحتلال السوري، مستغلاً “تلك الدولة” ليتسلق المراتب والرواتب. كان ابناً باراً لمنطقها القائم على التسويات والمداهنات والارتهانات الخارجية. دولة رهنت بقاءها بخفض الرأس، او بدفنه في الرمال. ابن هذه الصيغة العفنة، وضع رِجْلاً في بور الدولة التي يعتاش منها مالاً ونفوذاً، ورِجْلاً اخرى في فلاحة “القوات اللبنانية”، رأس حربة مقاومة الاحتلال السوري. ليكسب ماله السياسي من “دولته”، كان يقول إنه ضد التنظيمات غير الشرعية. وليكسب مكاناً في جنة “القوات اللبنانية”، كان يعرض عليها خدماته!
من خدماته في اوائل الثمانينيات، استعداده المشاركة في انقلاب على الدولة التي يخدم فيها ضابطاً! ولكن عندما اصبح قائداً للجيش اراد الانقلاب على “القوات اللبنانية” التي عرفت طينته! وكما انقلب البارحة، من مؤيد لـ”القوات اللبنانية” الى عامل على إلغائها، كذلك انقلب اليوم، من خصم لنظام الاسد الى تابع له، ملطخا بتبعيته سمعة المسيحيين المشرقيين بعار تاريخي.
خطيئة عون الاولى ارتكبها يوم كانت الحرب اللبنانية اسيرة المد والجزر. استغل عون تعب المجتمع المسيحي، وتوقه الى خلاص سريع، فرفع لواء “حرب التحرير” في توقيت دولي مريح لسوريا. ترك المسيحيين تحت رحمة الميزان العسكري فقط. يومذاك، أصغر رتيب في الجيش كان يعرف ان الميزان العسكري لمصلحة جيش الرئيس حافظ الاسد. وكل “عاقل سياسي”، كان يعرف أن القائد الذي يستغل شجاعة الناس وإخلاصهم، في معارك ساقطة عسكرياً وسياسياً وبلا سند اقليمي او دولي، انما يرتكب جريمة. وارتكب عون الجريمة، وبررها بأن “القوات اللبنانية” غطت مدفعيا الهجوم السوري على المناطق المسيحية، لا بل ثمة من أشاع ان افراداً من “القوات اللبنانية” كانوا يمشون امام دبابات الجيش السوري ليدلوها على الطريق!
“القانون الارثوذكسي” هو “حرب تحرير” عون. انه الخطيئة المميتة الثانية. مرة جديدة سرق من “القوات اللبنانية” الشعار والأفكار. وكما تحولت حربه التحريرية، ركيزة لاحتلال سوري اعتى واقسى، كذلك تحول مطلب المناصفة الحقيقية من خلال الاربعة والستين نائبا مسيحيا، الى مناورة انتهت ببرلمان لا نواب مسيحيين فيه ولا مسلمين. مرة جديدة، ابن الدولة، يقتل الدولة ويسبق الجميع الى البكاء.
ماضياً انطلت عليه حيلة الرئيس حافظ الاسد. كان العرض واضحاً وصريحاً: رأس “القوات اللبنانية” مقابل رئاسة الجمهورية. وكما صبر الاسد، مراهناً على انفجار قنبلة عون في المناطق المسيحية، صبر السيد حسن نصرالله على تابعه الجديد، وعبَّر عن صبره بعبارة مفادها: “نحن مع اي قانون انتخاب يتفق عليه المسيحيون”. ومن حسن حظ السيد حسن ان عون من بين “المسيحيين”!
البارحة أكل عون طُعم الاسد، واليوم أكل طُعم “حزب الله”، الذي راهن على غباء حليفه وربح. نظرية السيىء والأسوأ، والكارثة التي تذكرها عون بعد خراب البصرة، تفاداها سمير جعجع في خضم مفاوضات “قانون النظام المختلط”. لا بل تجنب جعجع الكارثة والأسوأ والسيىء ونجح في صوغ قانون هو الافضل للمسيحيين منذ الاستقلال! كان يعي ان الكارثة تكمن في إلغاء الانتخابات بذريعة قانون اللقاء الارثوذكسي، فانتزع قانوناً عادلاً للمسيحيين وموافَقاً عليه من السُنة والدروز والشيعة.(بناء على وعدهم بانهم مع اي قانون يوافق عليه المسيحيون).
حارب سمير جعجع تحت الرصاص الخلفي لعون، ورصاص مصالح “المستقبل” و”الاشتراكي”، ونجح في إرساء قانون حشر الجميع. ولكن مرة جديدة مرت المياه من تحت عون، وفضَّلَ ان يجني انتصاراً وهمياً على ان يربح المسيحيون معركة تاريخية. لم يعد يرضيه التدرج في نيل المطالب. في الدوحة، وحليفه الانقلابي في وضع قوي جدا، قَبِلَ عون ما يناهز الثلاثين نائباً مسيحياً باصوات المسيحيين، لا بل اعتبر انه من أعاد الحق. اذا انتخب المسيحيون نحو ثلاثين نائباً باصواتهم فهذا حق مستعاد وانتصار. أما إذا انتزع سمير جعجع، وحده ووحيدا، أربعة وخمسين نائباٍ مسيحياً باصوات المسيحيين، فهذه خيانة.
كانت بكركي تمون ولا تمون، وكان المستقلون يحزنون ولا يحزنون، وتُركَ سمير جعجع وحده ليتصدى للمسؤولية التاريخية، التي تهرب منها الجميع. الحلفاء قبل الاعداء. ورغم ذلك جاء جعجع بالمن للمسيحيين، من دون السلوى لعون، فحوَّل عون الانتصار هزيمة، مثلما اعتاد ان يوهم المسيحيين بالانتصارات حين يكونون في قعر الهزائم. سيكتب التاريخ يوماً ان سمير جعجع، في ربيع العام 2013، أعاد وحده “نواباً مسيحيين” أكثر بكثير، مما أعاد “اتفاق الدوحة” الذي كان ثمرة جهود مجتمعة ضمت جعجع وعون والمستقلين وبكركي وقطر والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة!
عون خادم مطيع ولكن يعتبر المرجلة الصوتية تمحو نزعة الخدامة. غطى “حزب الله” في عز قوته في 7 ايار، وفي أيار آخر، غطاه في عز تورطه السوري. يا لهذا الأيار!
وكما حوّل عون حق “حرب التحرير” من الاحتلال السوري، خطيئة أولى، بالغباء نفسه أدار معركة حق “القانون الارثوذكسي” وحوله خطيئته الثالثة. أما خطيئته الثانية فكانت يوم رفض “اتفاق الطائف”، الذي ما كان ليكون لولا حربه التحريرية الغوغائية. يومذاك ايضا، تُرك سمير جعجع يصارع في الطائف ويصارع لتطبيق الطائف. “طائف” البارحة هو “النظام المختلط” اليوم. رفض عون “النظام المختلط” فارتكب الخطيئة الرابعة.
المفارقة ان عون عاد الى احضان الطائف بعدما عاد في أيار ما. وغداً، قد يعود الى “قانون النظام المختلط”، وبراءة الطائف في عينيه.
سمير جعجع، أما آن زمنُ قرارٍ تاريخيٍ جديد؟
رائع إستاذ أمجد
kalamon sa7i7 wawaki3i.
God bless you dear Amjad….Well said
ما حدا خرب لبنان و المسيحيين بالتحديد إلا أبو الليمونة المعفنة النتنة ، أما سمير جعجع كان عم برقع من وراهم كلن ان كان من حرب الجبل إلى اليوم ، الله يحميك يا حكيم