#adsense

من “فاطمة غول” إلى باخرة الجية.. ثغرات وتأخير (عدنان الحاج)

حجم الخط

مهما تعددت التدابير المتخذة والمحاولات الشكلية الجارية لمعالجة موضوع الكهرباء، فإن سوء التغذية سيكون ميزة الصيف الحالي والشتاء المقبل وصيف العامين المقبلين لعدة اعتبارات، أولها في عدم توافر الطاقة وعناصر زيادة الإنتاج وثغرات التلزيمات الحاصلة من المعامل إلى البواخر، وصولاً إلى الأعطال التي تزداد مع اشتداد الطلب على الرغم من الفراغ السياحي، وتراجع النشاط الاقتصادي.

بالنسبة لمعامل الإنتاج والصيانة وتكبير الطاقة الإنتاجية ليست قابلة للتحقيق على المدى المنظور. أما موضوع البواخر التي قبضت سلفاً أكثر من 25 في المئة من قيمة الالتزام لمباشرة الإنتاج المفترض (حوالي 126 مليون دولار من 392 مليون دولار إيجار الباخرتين لمدة 3 سنوات، والفيول تؤمنه الدولة اللبنانية)، لتأمين حوالي 180 ميغاوات لمعمل الذوق وحوالي 60 ميغاوات لمعمل الجية، وهو أمر تأخر في الذوق وسيتأخر في الجية مع تغير الأسباب وتفاوت المصالح.

فباخرة الذوق (فاطمة غول سلطان) التي حرّك رئيس الجمهورية ميشال سليمان التفتيش لمعرفة أسباب تعطلها وتوقفها عن الإنتاج، ومخالفة العقد مع الدولة، لم تصل ولن تصل إلى نتيجة تذكر على الرغم من التقصير الحاصل في غير مكان.
أما باخرة معمل الجية المقرر وصولها في حزيران، حسب ما أعلن، فأنها ليست ظاهرة في الأفق القريب من البحر، وهي ستتأخر في الوصول كما تأخرت (فاطمة غول الموجودة في الذوق) في الوصول وفي الإنتاج معاً. فقصة الكهرباء انطلاقاً من هذا الواقع، تزداد صعوبة نتيجة تراجع الإنتاج وتزايد طلبات الاستهلاك مع قدوم الصيف، واقتراب أوقات الذروة، حيث يقلّ الانتاج عن نصف حاجة الطلب والاستهلاك حتى في حال انطلاقة تشغيل الباخرة التركية في الذوق (تقدر الطاقة الانتاجية من دون الأعطال الطارئة بحوالي 50 في المئة، أي 1300 ميغاوات بينما الحاجة اليوم وقبل الصيف، إلى حوالي 2450 ميغاوات).

استبعاد شركات بحجة عامل الوقت

عندما جرت مناقصة تلزيم استئجار بواخر الكهرباء في الفصل الأول من العام 2012، جرت عملية استبعاد بعض الشركات المشاركة في سلسلة تقديم العروض والمقابلات التي امتدت منذ تموز من العام 2011 وحتى بدايات العام 2012. بحجة تقصير عامل الوقت لاستحضار البواخر وحدد بحوالي أربعة أشهر بعدما كان أقصر من ذلك بكثير. مع العلم أن أسعار بعض الشركات الأخرى، وحسب نتائج العروض في إدارة المناقصات والاستشاري السويسري الذي استقدم خصيصاً لدراسة العروض، كانت أقل.
ليس هناك ضرورة للعودة إلى أسماء الشركات التي تقدمت بعروضها والتي تم زيادة عددها على مرحلتين بضم 3 شركات جديدة بعد أشهر من فضّ عروض الشركات الست التي قبلت سابقاً.
المهم أن المناقصة لزمت إلى الشركة التركية، وتم التوافق على شروط منها قيام الدولة اللبنانية بدفع 22 في المئة من قيمة الالتزام، وبدلات أربعة أشهر سلفاً، أي أن الشركة قبضت حوالي 126 مليون دولار من قيمة الصفقة البالغة حوالي 394 مليون دولار على ثلاث سنوات. علماً أن الدولة تؤمن الفيول للباخرة التي تتولى إنتاج الكهرباء للدولة اللبنانية مقابل أجر.
الفضيحة الكبرى تكمن في أن عامل الوقت الذي استخدم ضد الشركات الأخرى واستبعادها، لم يطبق، بل تمت مخالفته لعدة أشهر على اعتبار أن الاتفاق كان يقضي حسب الشروط المطلوبة:
1- تأمين باخرتين أو أكثر لتأمين حوالى 180 ميغاوات لمعمل الذوق زائدا أو ناقصا 10 في المئة، بمعنى أن الطاقة يمكن أن تكون بين 162 و198 ميغاوات. غير أن الاتفاق هو تأمين الباخرة الأولى (فاطمة غول) التي وصلت إلى الذوق ولم تباشر في الانتاج لأسباب تقنية، ومخالفات وثغرات في دفتر الشروط تتعلق بمواصفات الفيول أويل، وجهل من قبل الفريق اللبناني المفاوض، ناهيك عن الثغرات في قضايا الملاحقات والتحكيم.
نقطة أخرى كانت موضع نقاش وملاحظات سياسية وانتقادات لاحقة، وهي أن مدة وصول الباخرة ومباشرة إنتاجها كانت محددة بحوالي 12 شهراً من تاريخ التلزيم، وقد خفضت هذه المدة من 4 إلى 5 أشهر بعد تعديل الشروط واستبعاد الشركات، وهذا ما أثار نقاط استفهام حول هذا البند، حيث تعتبر بعض الشركات المستبعدة، أن هذه الخطوة كانت تعني وجود بواخر جاهزة مسبقاً للتحرك ومباشرة الانتاج. مع العلم أن مبررات داعي الاستعجال تعود إلى محاولات تأمين الكهرباء بشكل أفضل خلال صيف العام 2012.
2- مع كل ذلك، فإن الباخرة التي وصلت إلى الذوق تأخرت في عملية إنتاج الكهرباء منذ وصولها وحتى اليوم أكثر من شهرين، والسبب الأول يعود إلى عدم توافق الفيول أويل مع مولدات الباخرة، بما سمي أعطال ميكانيكية، وهو أمر يطرح مجموعة أسئلة حول طبيعة الشروط والتفاوض التي تمت بين الطرفين اللبناني والتركي. لقد كانت حجة التأخر بوصول الباخرة في عدم فتح الاعتمادات اللازمة من قبل وزارة المالية. وهذا أمر نفاه وزير المال بالتأكيد أنه حوّل الاعتماد لفتحه، ولكن الكهرباء طلبت تأخير الاعتماد لعدم جهوزية الذوق لاستقبال الباخرة. وهنا حصل التأخير في مواعيد الوصول التي كانت محددة بحوالي 4 أشهر من تاريخ التلزيم. ومع ذلك فقد وصلت وتأخر الإنتاج أكثر من شهرين، وتأخرت صيانة المعامل وتزايد التقنين في المناطق على أبواب الصيف.
3- الثغرة الثالثة والمهمة هي في مرحلة ما بعد وصول الباخرة وما قبلها. من مراجعة دفتر الشروط يتضح أن هناك نصاً في الشروط يقضي بأن تكون مواصفات الفيول أويل المخصص للباخرة مطابقة لمعايير «ايزو-82017»، وهذا يعني أنه كان على فريق وزارة الطاقة التنبه لهذا الأمر تلافياً للثغرات التي عطلت انتاج الكهرباء لمدة شهرين وأكثر، ناهيك عن التأخيرات السابقة. مع الإشارة هنا إلى أن معامل كهرباء لبنان تستخدم أغلى فيول في العالم من حيث المواصفات لانتاج الكهرباء (واحد في المئة كبريت). وهذا ما يساهم بتحسين البيئة وتحميل الخزينة مليارات الليرات فروقات أسعار وعجز على كهرباء لبنان الذي يفوق حوالي 2900 مليار ليرة سنوياً. فمن المسؤول عن هذه الثغرة التي كلفت مزيداً من الأعباء؟
4- السؤال هو كيف تمت معالجة هذا الأمر؟ بمبادرة من مؤسسة «سوناتراك» الجزائرية المرتبطة مع الدولة اللبنانية لتأمين الفيول للكهرباء بموجب اتفاقات طويلة الأجل، حيث تولت هذه الشركة تأمين الفيول الخاص للباخرة بالمواصفات المطلوبة كخدمة للدولة اللبنانية، ومن دون تحميل الدولة أية أعباء إضافية كفارق في الأسعار. وقد وصلت باخرة تحمل الفيول الخاص إلى الذوق، ويفترض أن تكون باشرت تفريغ حمولتها للمباشرة بتشغيل الباخرة التركية في الذوق ما لم يطرأ أي جديد.
5- المخالفة الأخرى هي في الباخرة، التي قيل إنها تحتوي خزانات للفيول تتسع لحوالي 6 آلاف طن، حيث تبين أنها تحوي خزانات لا تزيد طاقتها التخزينية عن ألفي طن فقط. ماذا يعني ذلك؟ أن الباخرة تستهلك يومياً حوالي 900 طن لانتاج حوالي 180 ميغاوات، وهذا يعني أنها تحتاج إلى خزانات أكبر منعاً لتزايد الأعباء على الكهرباء، ولكن هذا الأمر وقع في المحظور. فالباخرة التي وصلت تحمل حوالي 30 ألف طن، بمعنى أنها ستنتظر أكثر من 15 يوماً لتفريغ حمولتها في خزانات الباخرة التي تتسع فقط لألفي طن.

خزّان للفيول مخصص لمواصفات الباخر

وعلمت «السفير» أن وزارة الطاقة طلبت تخصيص خزّان للفيول مخصص لمواصفات الباخرة، وهي تنظف خزاناً خاصاً طاقته 20 ألف طن. ومع ذلك ستنتظر الباخرة الجزائرية أكثر من أسبوع لتفريغ حمولتها، بما يعني تحميل «مؤسسة كهرباء لبنان» رسوم بدل انتظار بما يفوق 25 ألف دولار يومياً في حال تم تأمين الخزان من قبل الوزارة، والمبلغ يكــبر أكــثر، والمدة تكون أطول في حال عدم تأمين الخزان الخاص.
6- في دفتر الشروط وهو «المجلد الكبير» بين وزارة الطاقة والشركة التركية لا توجد بنود جزائية ومعالجة فورية في حال حصول المخالفات من قبل الفرقاء، وهي تنصّ على لجنة مشتركة تحكم بتوافق الفريقين، وبعد تحديد المسؤوليات في حال رفض أحد الطرفين. وتجيز الاتفاقية الاستعانة بشخص ثالث وبعدها يتم اللجوء إلى التحكيم الدولي في لندن، وهو أعلى كلفة تحكيم في العالم. وينصّ هذا البند الخاص بمعالجات الخلافات وفق الآتي:

1- التسويات التوافقية

أ- أي خلاف ينشأ بين الأفرقاء بموجب هذا العقد يقدم خطياً بموجب «إشعار بالإعلام» إلى المنتدبين المسؤولين وعضو اللجنة الفنية المنتدب إلا في حال كانوا نفس الأشخاص.
إن اللجنة المشتركة تتداعى للتوافق خلال 7 أيام من تاريــخ استــلام الإشــعار بالخــلاف إلى عقد اجتماع لتقييم المعلومات المتوافرة، وإبداء الرأي، وذلك خلال 15 يوما من تاريخ إشعار الإعلام.
ب- في حال توصل اللجنة الفنية المشتركة خلال الأربعة عشر يوما إلى إقرار حل الخلاف، يكون هذا القرار نهائيا وملزما لكافة الأفرقاء. وإذ تمنّع أحد من الأفرقاء عن الموافقة على قرار اللجنة الفنية المشتركة، عندها يمكن اللجوء إلى التحكيم بموجب البند رقم 32/2 (التحكيم).
ت- إذا لم تتمكن اللجنة الفنية المشتركة من اتخاذ قرار خلال 14 يوما من تاريخ استلام إشعار الإعلام، فإنّ اللجنة تتعهد بتعيين طرف ثالث مستقل للإشراف خلال 7 أيام تكون مهمته توضيح أسباب وتوابع هذا الخلاف في خلال 21 يوما من تاريخ التعيين.
ث- في حال فشل أي من الأطراف الموافقة على نتائج الطرف الثالث المحايد، عندها يمكن التوجه نحو التحكيم.

2- التحكيم

أ- في حال عدم التوصل إلى أي حل بالتراضي بين الأفرقاء بموجب 32/1 بما فيها عدم تمكن اللجنة الفنية المشتركة من التوصل إلى قرار أو الوصول إلى قرار لا يتوافق مع البند 32/1، عندها يعود القرار النهائي للتحكيم وذلك بموجب قوانين التحكيم التابعة لمحكمة لندن العالمية للتحكيم (LCIA) الصادر في تاريخه.
ب- اتفق الأفرقاء على أن أي خلاف مقدم إلى (LCIA) والمقرر من 3 محكمين معنيين بموجب قوانين التحكيم.
ج- إن مكان التحكيم في لندن المملكة المتحدة، وإن اللغة المعتمدة خلال فترات التحكيم هي اللغة الإنكليزية.
د- يحق للأفرقاء الاعتراض على قرار التحكيم الصادر عن المحكمين إلى الحد المسموح به بموجب قوانين (LCIA). وإن كلفة إجراءات التحكيم سوف يتحملها الفريق الذي صدر الحكم ضده.
هـ ـ في حال صدور قرار جزئي فإن مصاريف وأتعاب التحكيم سوف تكون بحسب نتائج التحكيم.
في الخلاصة، فإن الأزمة المقبلة هي في معمل الجية بعد الذوق مع السعي لإيجاد مخارج لتأخر وصول الباخرة، ومحاولة تلافي ثغرات ما حصل في الطاقة التخزينية للفيول ونوعيته بمواصفات الايزو التي سها عنها خبراء وزارة الطاقة وكلفة التأخير والتعطيل.

المصدر:
السفير

One response to “من “فاطمة غول” إلى باخرة الجية.. ثغرات وتأخير (عدنان الحاج)”

  1. Ignorance and corruption are flagrant. Worse than all is the bragging.

خبر عاجل