Site icon Lebanese Forces Official Website

ما بعد بعد القُصَيْر : كسروان!

لم تعُدْ في يد ” حزب الله ” ورقة مستورة واحدة . حرب القٌصَيْر كشفتها كلّها ، وهو في الأصل مجرّد وكيل لملفّ الأوراق الإيرانيّة بين لبنان وسوريّا ، على الأقلّ .                                                        

وكلّ العناوين باتت صالحة لتوصيف المشروع الإيراني الذي يلتزمه ” حزب الله ” ، إلاّ عنوان ” الممانعة والمقاومة ” . بات الشعار مزاحاً سمجاً ، أو ، في أفضل حالاته ، ورقة تين جافّة على عورة مكشوفة .

فقد تصحّ تسميته مشروع ” داريوس الكبير ” أو ” الحلم الصفوي ” أو ” القوس الفارسي ” أو ” الهلال الشيعي ” أو ” حلف الأقليّات ” .. وربّما ” الوطن القومي الشيعي ” تيمّناً بالملهم الأقلّوي الآخر قبل قرن وربع من الزمان .

 وفي مكاتب التخطيط للمشروع كلام عن إحصاء أكثريّة شيعيّة وازنة في القوس الذي يجمع إيران والعراق وسوريّا ولبنان ويطوّق الأردن ودول الخليج . هكذا ، لعبة عدديّة بسيطة لإقناع المتردّدين ، وإثارة شهيّة الأقلّيات الأخرى ، خصوصاً المسيحيّين .

لا فرق عمليّاً ، على مستوى المشاريع الدينيّة والقوميّة والمذهبيّة ، بين تيودور هرتزل وآيتيّ الله الخميني والخامنئي ، وفرعهما على المتوسّط الأدنى ، حسن نصرالله ، وظلّهما المالكي والأسد .

حتّى في السلوك وفنّ تمويه الأعداء والأسلوب الدعائي ، يتماهى ” العدوّان الحميمان ” : فالأوّل تحوّل من ضحيّة النازيّة إلى جلاّد الفلسطينيّين ، والثاني من ” ضحيّة ” إسرائيل إلى جلاّد اللبنانيّين والسوريّين .

وقد كتبنا وتحدّثنا مراراً ، خلال السنتيْن الأخيرتيْن عن الخطّتين ” ألف ” و ” باء ” في المشروع الإيراني الكبير : الخطّة الأولى لتغيير الموازين الديمغرافيّة والسياسيّة في غرب العراق وشرق سوريّا لربط حلقات القوس ، فتمّ تجميدها بسبب الكتلة البشريّة الهائلة والجغرافية الواسعة ، وأُعطيت الأولويّة لتنفيذ الخطّة الثانية ، أو ما يُعرف ب ” المشروع الغربي للقوس ” الذي يربط غرب سوريّا ووسطها بدولة ” حزب الله ” في لبنان ، أو ربط الدويلتيْن العلويّة والشيعيّة .

وليس خافياً أن معركة القُصَيْر كانت خطوة تنفيذيّة متقدّمة في هذا ” الشقّ الغربي ” من المشروع الإيراني .

فهل التقى فعلاً الجناحان العلوي والشيعي ، واكتملت الخطّة ، أَم ما زالت هناك حلقات وعقبات ومراحل لاحقة ؟

كثيرون سألوا : وماذا بعد ، وما هي وظيفة ” حزب الله ” بعد القُصَيْر ، فهل يأمره ” الفقيه ” بإعادة قوّاته إلى لبنان ، أو يكلّفه خوض معارك أخرى ؟

في تقدير عام ، سيكون له وظيفتان عسكريّتان متكاملتان : وظيفة قتاليّة في جغرافية الخطّة ” ألف ” أو الشقّ الشرقي من المشروع ، أي القوس الضارب من حلب إلى درعا عبر دمشق والسلسلة الشرقيّة للبنان ، وصولاً إلى غرب العراق . ويكون قتاله بوحدات متحرّكة غير كبيرة ، مؤلّفة من كوموندس النخبة .

أمّا وظيفته الأساسيّة فهي حصر ” أعداء المشروع ” في لبنان بين فكّيْ الدويلتيْن ، تمهيداً للإطباق عليهم . وهؤلاء الأعداء ، بطوائفهم الثلاث المسيحيّة والسنيّة والدرزيّة ، ينتشرون بكثافة من الشمال إلى جبل لبنان والبقاع حتّى صيدا .

ولا يغيب عن أيّ مراقب سعي ” حزب الله ” إلى ترويض هذه المناطق : تطويق عكّار شرقاً وشمالاً ، تحويل طرابلس إلى بؤر متناحرة تنخرها من الداخل لتعطيل فاعليّتها ، وكذلك صيدا وبيروت وبيئات سنّية أخرى ، وتخويف الجبل الدرزي بهدف تحييده على الأقلّ ، إذا لم يخضع .

وتبقى الكتلة المسيحيّة العاصية في الشمال والجبل حتّى زحلة وجزّين ، فهو يعمل على إخضاعها بوسيلتيْن: من داخلها تحت عنوان ” التفاهم الاستراتيجي” مع قسم منها ، وإضعاف القسم الآخر بالتهديد والإغتيال     ( وهذه الوسيلة يستخدمها أيضاً باختراق الطوائف الأخرى ) ، ومن خارجها عبرإحياء حلم قديم باستعادة كسروان وجبيل والمتن ، وقد عبّر عنه بوضوح  ، صوتاً وصورة ، زعيم ” حزب الله ” حسن نصرالله في شبابه الأوّل .

ولا يُلغي هذا الحلم قولهم إنّه نَزَق الشباب ، فهو تعبير عن تراكم عقيدة وصلت إليه من أوليائه .

وقد كان هرتزل ، في أيّ حال ، شابّاً ، حين أطلق فكرة ” الوطن القومي لليهود ” .

فهل مَنْ ينتقم من حروب إسرائيل على الجنوب بشنّ حربَيْن على الداخل اللبناني والسوري ، يصعب عليه الإنتقام من المماليك بمحاربة المسيحيّين ، بعد 700 سنة ، ومن ” السفيانيّين ” بمحاربة السوريّين ، ولو بعد 1400 سنة ؟!

لا شكّ أنّ ” حزب الله ” حقّق نجاحاً في ترهيب المناطق المسيحيّة من جبيل إلى الجديده والدكوانه وزحلة بحجّة تشييع قتلاه ، أو بحجّة الإبتهاج ب ” سقوط القُصَيْر ” ، لكنّه حقّق اختراقاً أكبر بفرض الصمت على ” المتفاهمين ” معه ، فلم ينبسوا ببنت شفة دفاعاً عن المناطق التي انتخبتهم .

لقد أكل ” التفاهم ” ألسنتهم بعدما أعمى الإلتحاق بصائرهم ، أو قبضوا مهره المقدّم والمؤخّر .

وقد يخدع هذا الإختراق بالسلاح وضريبة السكوت ” حزب الله ” ، ويُغريه بالفرصة السانحة لتحقيق حلمه ، بل وهمه التاريخي ، وبالتحضير إلى ما بعد بعد القُصَيْر، فتلوح له ولتابعيه كسروان وجبيل مع سائر الجبل المسيحي ، في السراب .

كلّه سراب .. من عقدة المماليك وكسروان وريف القُصَيْر وزينب ، إلى وَثَن الفقيه والأسد و” جبهة المقاومة والممانعة ” ، إلى الإنتصارات ” الإلهيّة ” الزائفة .

سراب…. ومصير اللاهثين وراءه ، يباب وخراب !

Exit mobile version