خلال أحد أيام عدوان تموز عام 2006، أطل الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله من على شاشة “المنار” ليوجّه تحذيره لقوى الرابع عشر من آذار التي كانت تطالبه يومها بضرورة إيقاف الحرب وإعلان الدولة اللبنانية المسؤولة الشرعيّة الوحيدة في الدفاع عن الشعب اللبناني. يومها قال نصرالله “نحن في حزب الله” قادرون على ملء الساحات والمناطق اللبنانية دفعة واحدة في أي زمان وأي مكان”، وكانت المرّة الاولى التي يستخدم فيها نصرالله عبارة “ما حدا يجرّبنا”.
اليوم يريد “حزب الله” أن يؤكد كلام أمينه العام وان يُترجم كلامه إلى واقع، فلا رادع يمنعه ولا دولة توقفه عند حدّه، وجلّ ما يحتاجه عناصره، القليل من الدعم المسلّح ليُصبح لهم ما ارادوه ليبدو أن التغيير الديموغرافي المخطط له والذي بدأ يظهر من خلال مشاركة الحزب في الحرب السورية وكأنه لن يكتمل طالما ان هناك أراضي محاذية لمناطقه لا تخضع لسلطته، ولذلك يعتبرها لقمة سائغة وبالتالي يجب هضمها لتحقيق المشروع الاكبر وهو دولة “ولاية الفقيه”.
هذا القضم المتعمد جعل البعض من اهالي قرى الجبل قرى القريبة نوعاً ما من الساحل، يُطلقون عبارة “القادمون الجدد”، عند حديثهم عن التغيير الديموغرافي الذي دقّ أبواب بلداتهم منذ أعوام قليلة، وتحديداً بعد 8 أيار 2008 يوم أدار “حزب الله” فوهات مدافعه وبنادقه بإتجاه الداخل اللبناني بحجة ان فريقاً سياسياً داخلياً يريد أن يكشف ظهر “المقاومة” من خلال المسّ بشبكة إتصالاته.
رائد هو احد الشهود المعترضين على ما يُسمى عملية التوسّع الديموغرافي، وهو يسميها عملية “سرقة الأراضي”، ورائد هو الاسم الحركي لأحد المقاتلين القُدامى في الجبل، يقف فوق تلّة مُشرفة على أحد المجمّعات السكنية ذات الموقع الإستراتيجي في منطقة بشامون، ويقول: أنظر، كلّ هذه المباني والمجمّعات المشيّدة هناك جاهزة للسكن، لكن هل تعلم لماذا لم تُسكن حتى الآن؟” يصمت قليلاً قبل أن يجيب نفسه: “هناك مخطط أعدّه “حزب الله” للاستيلاء على مناطقنا بدءاً من الشويفات، دير قوبل، بشامون. وهذا معناه أنّ هذه القرى ستهضم لاحقاً لتُستلحَق بالضاحية الجنوبية، والمشكلة برأيه هي انه لم تعد هناك أراضٍ صالحة للبناء، فقد استنفد معظمها من متموّلين “شيعة” يتبعون مباشرة إلى “حزب الله”. “هذه ضيعتي، هل عليّ أن أسكن في الشوف ليرتاح الحزب؟.
يبدو أنّ القرى الدرزية ليست وحدها من دقّ ناقوس الخطر، فبلدية قرية دقّون الواقعة بين بعورتا وكفرمتّى علّقت يافطة كبيرة في ساحتها كُتب عليها “البلدية لن تسجّل أيّ عقار لأشخاص من خارج البلدة”، وهو تصريح واضح برفض إشراك مَن هم خارج نسيج البلدة في ممتلكاتها. وهنا يرى رائد أن هذا أفضل ما يجب القيام به، خصوصاً أن حزب الله أصبح حاضراً بكثرة في بشامون وتحديداً في حيّ المدارس، هذا مع العلم أنّ هناك حضوراً سنّياً أيضاً، لكنّ الحضور الفعلي على الأرض هو للحزب”.
أما الحديث الدائم عن تنظيم الخلاف بين “حزب الله” وبقية الاحزاب في الجبل، فإن هذا الأمر لم يلقَ إستحسانا من جهة رائد ورفاقه فيقول إن “الحزب لا يحترم إتفاقية ولا يُلزم جماعته بأي تعهّد سياسي”، ويسأل عما “إذا كان هناك أي جهة تستطيع القيام بالأمر عينه في الضاحية الجنوبية؟”، مضيفاً “هناك مشكلة حقيقية في البلد، فعدد السكان إلى تزايد والانفلاش حاصل في مناطق الجبل اكثر من سواها، ومَن يدري، يأتي يوم ونصبح فيه مستأجرين داخل مجمّعات حزب الله”.
وفي سياق منع انتشار جماعة “حزب الله” داخل بعض المناطق في الجبل، فقد تداعى منذ فترة قصيرة عدد من أبناء الجبل عبر “الفايس بوك” للتنديد بظاهرة الفلتان السكاني الحاصلة في قراهم فكتب احدهم: “هذه المباني انتهى العمل فيها وأصبحت جاهزة للسكن وهي تقع على مفرق دوحة عرمون ومفرق بشامون والشويفات وخلدة، لكنّها شاغرة حتى اليوم لأنّ صاحب المشروع يرفض بيع أي درزي أو سنّي أو مسيحي”، سائلاً: “لماذا لا يُطرح هذا الموضوع على طاولة الحوار؟ خصوصاً ان هذه المجموعة تعتبر أنّ الوحدات السكنية هذه، أصبحت على شكل مستوطنات داخل الجبل في محاولة لتغيير هويته، وهذه المستوطنات ما هي سوى عينة صغيرة عن مجموعة مستعمرات مقفلة في عرمون وبشامون وغيرها والجميع صامت إما خوفاً وإما لعدم إحداث مشكلة إضافية في البلد”.
وأخطر ما كشفته هذه المجموعة عبر “الفايس بوك” معلومات تتعلق بشراء “حزب الله” لتلال استراتيجية في قرى مسيحية في منطقة عالية قبالة بيصور، وهذا ما دفع البعض من اهالي هذه القرى، للسؤال عن سبب اختيار هذه التلال وهل هي مقدمة لعمل امني أو عسكري ما لاحقاً؟ أم إنها مخطط يُراد من خلاله إلغاء خصوصية بعض المناطق في الجبل؟، والخطير أيضاً، أن معلومات وردت عبر هذه الصفحات تحدثت عن ان عمليات شراء أراضٍ في مناطق الجبل “تتمّ عبر متنفذين ينضوون تحت عباءة حزب الله، يصار إلى تسهيل أمورهم المادية من خلال مصرف تابع لدولة إقليمية، والغاية إقامة مجمّعات سكنية وأحياء بكاملها لعناصر الحزب وعائلاتهم على شكل قرى صغيرة من أجل تأمين تواصلهم بين مناطق الجبل الساحلية والضاحية الجنوبية في حال قرر الحزب إعادة تجربة السابع من أيار”.
وفي النهاية، لو سلّمنا جدلاً ان السيد حسن صادق في ما قاله، واكثر من ذلك، أن الشعب اللبناني يبصم له بالعشرة أن حزبه قادر على أن يملأ في الوقت نفسه، ساحتي “رياض الصلح” و”الشهداء” في وسط بيروت، وساحتي “العباسيين” و”يوسف بك العظمة” في سوريا. إلاّ ان السؤال الاهم والابرز يبقى: ماذا بعد ذلك وإلى أين يريد السيد حسن أن يأخذ لبنان وتحديداً “شيعته” ألم يكفِ ما أصاب هذه الطائفة على يد الإسرائيلي وجرّاء التقاتل الداخلي وحتّى بين أبنائها يوم دخل القتل إلى البيت الواحد؟!.
Never interrupt your
enemy when he is making a mistake.
– Napoleon Bonaparte