#adsense

رسالة من مار يوحنّا مارون

حجم الخط

بالطبع لم أتقابل مع بطريرككم الأوَّل لأنقل هذه الرسالة إلى أبناء الكنيسة التي أسّسها، إلا أن مقابلة التاريخ قد تفعل أكثر من مواجهة الشخص بذاته، فكيف بي إذا كان التاريخ بهذه الرهبة؟ وكيف بي إذا رأيتُ أن الحاضر يستفزُّ هذا التاريخ إلى حدِّ إيقاظه من الوجدان الذي كاد يغيب هو الأخر؟

أمّا الرسالة فليست من البطريرك الأوَّل بحصر المعنى فالأهم بالنسبة لنا ليس شخص البطريرك رغم قداسته، بل الخيار والقرار الذي إرتبط إسم البطريرك بهما واللذان صنَعاَ هذا الإسم وسَطَّراهُ في قلب التاريخ بأحرُفٍ من ذهب، ما يهمنا هو المجتمع الذي إحتضن البطريرك، والوعي الذي تمتَّع به هذا المجتمع، والشجاعة التي سَكَنَت في دماءِ أُمّة مارون.

عشية العام 685 كانت جحافل العرب قد بسطت سيطرتها على الأجزاء الكبرى من البلاد الأنطاكية “السورية”، وكان التشرذم سيِّد الموقف في الأوساط المسيحيّة المبعثرة بين دهاليز الخلافات العقائدية التي تحمِلُ في خلفياتها الصراعات السياسية بين أتباع روما وبين أتباع القسطنطينية من جهة، وبين مناصري مجمع خلقيدونيا وبين رافضيه من جهة أُخرى، بالإضافة إلى العديد من الخلافات التي نستغني عن ذكرها في هذه الرسالة. غالبية المسيحيين من سكّان هذه الناحية إستسلموا للأمرِ الواقع، فمنهم من هاجر نحوَ الديار الأوروبية ومنهم من دخل في الحكم الجديد بكلّ ما يتطلّبه هذا الحكم من ذميّة ورضوخ. القسم الأكبر من الباقين إستفادوا من المعاهدات التي عقدها خلفاء العرب مع أباطرة القسطنطينية، فأضحت الهوية الإنطاكية قابعة بين مطرقة الخليفة وسندان الأمبراطور بإنتظار الضربة القاضية.

في خضمّ هذا الواقع شهد التاريخ حركة نادرة متمرِّدة إنفرد بها الموارنة في هذا الشرق، فمن رُبى جبلِ لبنان إنتخبوا يوحنّا مارون بطريركاً على كرسي أنطاكيا وسائر المشرق بعد يأس البيزنطيين من هذا الكرسي، وبعد أن أضحى منسياً من قِبلِ العرب.

بالطبع ما كان هذا القرار ليحصل لو لم يحمل الموارنة هويتهم في أعمق الأجزاء من كيانهم، ولو لم يفضّلوا الحرية في جرود لبنان الوعِرة على الرفاهية المختومة بالذميّة في سهول حلب وحمص وفي غوطات الشام، ما كان هذا القرار ليحصل لو لم يتمرّد أولئك الرهبان على “الأمر الواقع” بكلِّ حتميته، ما كان هذا القرار ليحصل لو إرتعب أولئك الفقراء من جيوش القسطنطينية أو من جحافل الخلفاء.

ولقد دفع الموارنة ثمن قرارهم على مرِّ العصور أثماناً باهظة للغاية من قتلٍ وتهجيرٍ وإضطهادٍ وقلقٍ دائم على وجودهم لم يفارقهم حتّى اليوم، غير أن ما حصدوه من حقول هذا القرار من حريّة، وما درسوه على بيادر هذا القرار من علم، وما أكلوهُ من أرغفة هذا القرار من هويّة، جعلهم الأمة الوحيدة من المحيط إلى الخليج التي أثبتت أن لا مستحيل عندما تتوَفّر الإرادة، ولا إستسلام عندما تَعتَنِق المسؤولية، ولا عبودية عندما تَنقُل الله من رفوف المكتبات إلى حيِّز العيش وإلى العيش الحُرّ.

هذا ما حَصَل…

أمّا اليوم وبناءً على ما يحصل، فها نحن نلمح صوتَ يوحنّا مارون يعبر الزمان ويصرُخُ بنا:

متى ساومتُ الخليفة أو تذللتُ لدى الأمبراطور لكي تساوموا الديكتاتورية وتتذللوا عند الأمبريالية؟

متى إخترتُ بين السيء والأسوأ لكي تنسحبوا من صناعة المستقبل إلى إستيراد سيناريوهات الذلّ لتحيوا مسرحية الحياة من دون روح؟

متى وَضَعتُ الإمتيازات قبل المبادئ لكي ترتهنوا لإرادات من يستعملونكم كسلالم للوصولِ إلى أمجادهم الباطلة؟

متى نال مِنّي الخوف في المواجهة لكي ترتعب نفوسكم في مضاجع الإنتظار؟ ولكي تتسكّعوا على أبواب السفارات؟

متى هَرَبتُ من المسؤولية لكي تعتنقوا اللامبالاة؟ متى يئست من جَبَلِكُم؟ متى تَذَمَّرتُ منكم يا غلاظ الرقاب لكي تخجلوا من عظمة تاريخكم يا هواة الإستهلاكية؟

متى إنغلقتُ في سلالة لكي تُكَرِّسوا العائلية يا عُشّاق الكراسي؟

متى كَرَّستُ تاجَ الحاكم أو تآمرتُ مع رجال السياسة على الشعب لكي تُسقِموا المارونية ببروتوكولاتكم ولكي تنحروا شعبكم بحدِّ الإقطاعية يا خلفاء العصور الوسطى؟

متى أرهقت شعبي بالوعظ والتنظير والعشور ولم أبادر إلى مساعدته، لكي تتناسوا صراخ الفقراء ودموع الأرامل وحسرات التلاميذ وتنهدّات الرجال يا تجّار الهياكل؟

لو قُيِّض لمار يوحنّا مارون الكلام لما كان تكَلَّم بأقلّ مما كُتِب، أتَخَيَّلهُ يبكي من عليائه ويُلقي رأسه على كَتِفِ مار مارون بصمتٍ وهدوء، وأتخيّل مار مارون يشكر الله على عيشه في عصرٍ لم يتعرَّف على هكذا مياعة ولم يعاصر هكذا إنهزامية…

يا موارنة اليوم إمسحوا دموعَ مار يوحنّا مارون بسواعد القرارِ والإلتزام…

يا موارنة اليوم إنَّ التاريخ لا يحتمل التغاضي، والحاضر يكره التأجيل، والمستقبل يموتُ غيظاً من اليأس…

يا موارنة اليوم إن حاضركم ينتظر منكم أن تهبوه ما وهبتم لماضيكم وما وهبكم الله من نِعَمٍ عليها تُحسدون…

إن الخيار ينتظركم، لكنَّه لن يُطيل الإنتظار، وكلّ ما يحتوي لبنان من حجرٍ ومن بشرٍ مرتهن إلى إرادتكم… فلكم أن تعيدوا مجد لبنان إلى موئله، ولكم أن تستبدلوا المجدَ بعتمةِ الهوامش وظلام الرضوخ.

حتّى ذلك الحين أستودعكم دموع بطريرككم الأول، وأستودِعُ المارونية مجدَ صُلبانها الخشبية على أملِ القرار وعلى رجاءِ الإختيار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

One response to “رسالة من مار يوحنّا مارون”

خبر عاجل