ما عُرفَ بـ ” التفاهم ” بين حسن نصرالله وميشال عون منذ شباط 2006 ، بَلَغَ الآن لحظة انكشافه على حقيقته وخطورته ، بل لحظة مأزقه الوجودي ، فلم تَعُدْ المجمِّلات والمساحيق تنفع في تستير قباحته أو عورته .
على مدى السنوات السبع والشهور الأربعة من عمره ، اهتزّت العلاقة بين طرفيه مراراً ، في السياسة والإدارة والتعيينات والمصالح والإنتخابات والعمولات ، بدون أن يقع .
وكان دائماً القاسم المشترك في تبرير الخلاف وتدويره ، قولُهما النمطي المبرمج : ” تفاهمنا إستراتيجي لا تؤثّر فيه خلافات جزئيّة طارئة ، وعلاقتنا أعمق من تناقض وجهات النظر في شؤون تفصيليّة ” !
تُرى، ما الذي يجمعهما غير أمر ما ، ” إلهي ” .. من مثل قول مجنون ليلى:
” وقد يجمع الله الشتيتيْن بعدما ……. يظنّان كلَّ الظنّ أنْ لا تلاقيا ” ؟
إذا كانت فعلاً هي إرادة الله التي جمعت نقيضَيْن وأمرتهما بالعناق الأبدي، حتّى الإختناق ، فلا لزوم للنقاش والكتابة والتحليل، وليُترك الزوجان السرمديّان إلى قدرهما المجهول، في إطار ” أحوال شخصيّة ” خاصّة بهما، أعمق وأمتن وأبقى من ” زواج المتعة ” .
أمّا وأنّ المسألة لا تقتصر عليهما، بل تخصّ مستقبل لبنان واللبنانيّين، فإنّ الكلام فيها واجب وإلزام ، بل ” تكليف وطني ” لكلّ لبناني يبحث عن خلاص وطنه وأهله .
الثابت من أمر هذا ” التفاهم ” أنّه لمصلحة ” حزب الله ” بصورة حاسمة، كغطاء لمشروعه الاستراتيجي، سابقاً في الحرب مع إسرائيل وحروب بيروت والجبل والقمصان، وراهناً في الحرب مع سوريّا، ولاحقاً في كلّ حروب ” الفقيه ” على امتداد العالم العربي، و ” الجبهة العالميّة لمواجهة الإستكبار “.
ولم يكن الثمن الذي قَبَضَه عون إلاّ فتات نفوذ سياسي إنتخابي هنا ، وبريق سلطة هناك ، وتمرير مكتسبات شخصيّة هنالك ، لم يَنَلْ منها المسيحيّون حتّى النذر اليسير .
وإذا قيْسَ ما حصل عليه بما حقّقه ” حزب الله ” ، لَبانت ظلامته فعلاً : تحت ” التفاهم ” عطّل الثاني الدولة وفرّغ مؤسساتها وجعلها حلقة في محوره ، بينما تلهّى الأوّل بسراب السلطة والمال ، ووضع جماعته في حالة تخبّط وضياع .
والمخزي ، أنّ عون ، وبرغم نزيفه الداخلي ، وحنقه المتعاظم في مسألة الإنتخابات ، ونسف شكواه أمام المجلس الدستوري ، مجبَر على الدفاع عن تورّط شقّه التوأم في الوحول السوريّة ، وعلى تبرير قصف الطيران السوري لعرسال وسواها ، وتكرار استنكاره لاعتصام الشهيد هاشم السلمان ، تماما كما فعل في مساءلة الضابط الشهيد سامر حنّا بقوله : ماذا ذهب يفعل في سجد ؟!
إنّه ” التفاهم الاستراتيجي ” ، يعبر فوق الدم البريء ، وفوق ” حقوق المسيحيّين ” ، وفوق مؤسسات الدولة والقوانين والدستور، وفوق الجيش وقوى الأمن ، وفوق الكهرباء والتعيينات والانتخابات ، وفوق العلاقات مع الحلفاء الآخرين بمن فيهم ” حليف الحليف ” والبعث والقومي والطاشناق و ” المردة ” ، ولو نَفَرَ بعضهم من ” التكتّل ” الفضفاض الذي استجمعوه له .
كلّها تفاصيل ، ومجرّد غبار على الجوهر ” المقدّس ” .
فقد تميد الأرض ، ويزول لبنان ، وحرف واحد من البند العاشر في ” التفاهم ” لن يزول !
ففي هذا البند نصّ يكرّس أبديّة سلاح ” حزب الله ” و” قدسيّته ” ولزوم بقائه إلى ” أن تتأمّن ظروف موضوعيّة لانتفائه ” !
هنا يكمن السرّ واللغز : ” الظروف الموضوعيّة ” توجب استمرار السلاح ، فإذا لم يأتِ الخطر من إسرائيل يأتي من ” تكفيريّي ” سوريّا ، أو من طعن ظهر ” المقاومة ” ، أو من الإعتداء على شيعة دمشق والقصير وحلب ومقاماتهم ، أو من تهديد ” محور الممانعة ” ، وغداً ربما من مكان سادس وسابع و ..
إنّها الكلمة السحريّة التي تلوي عنق عون وتربط لسانه . فهل يتجرّأ على قيده وسجّانه ، أَم يظلّ مستسلماً للقدر ” الإلهي ” . وإذا كان هو عاجزاً عن التمرّد ، فهل يستطيع مناصروه ؟
الأمّهات يلدن أبناءهنّ أحراراً ، فكيف يستعبدهم ” تفاهم ” ؟!
Sublime!