الرئيس… كرامَة

يخلط بعضهم بين مفهوم الكرامة وبين معاني الكبرياء والشرف والإعتزاز، في حين تُرشِد الحقيقة الى وجوب الفصل بينها، ذلك أنّ الفرد يكتسب هذه المعاني من محيطه، بينما الكرامة لا تُمنَح بل تولد مع تشكّل جبلة الإنسان وتبقى معه كقيمة مجرّدة حتى مماته. والكرامة، كقضيّة تمسّ الحياة بذاتها، هي أسمى من أن يعلو عليها شيء، فتحت سقفها تمرّ المبادئ والحقوق والقوانين التي لا تعدو كونها سلوكيّات أخلاقيّة وإجتماعيّة تمتّن فعل الكرامة كمُرتكَز لمنظومة الإنسان، هذا الذي بالكرامة وحدها يكتمل يقينه بوجوده.

والكرامة موقف لا إستجداء، والموقف ثبات لا إنهزام، أي نِزال بين الإستقامة على الحق وبين التنصّل والتقهقر. إنّ رئيس الجمهوريّة الذي يلامس جراح الوطن، لم يشأ أن يتوانى فجاء موقفه عِبرة غير قابلة للمساومة، وهو الذي عرف أنّ قَدَر الرّجال في المواقف لا في الصّفقات، وفي الثّبات لا في الرّضوخ للإبتزاز الذي يمارسه مشبوهون يتّخذون من العنف والتّرهيب وسيلة لإسقاط المُخلصين.

ولمّا كانت الشدائد مِحكّ الرّجال، جعل الرئيس شِدّة الوطن قضيّته، وهي دليل حقّ، فاستعاد بموقفه البلاد مِمَّن اختطفوها، مؤمناً بأنّ الثّبات على الحقّ واجب الحرّ، فمَن يترك الحقّ فهو لا يتركه إلاّ للباطل.

إنّ موقف رئيس الجمهوريّة أعاد العالم الى الطاولة اللبنانيّة، بعد أن أعاد لبنان الى حضن الحقّ. والرئيس متماسك في موقفه الوطنيّ مهما تعرّض له الباغون لكي يرتدّ، وهو مُتشدّد بالوطن، أهميّته أنّ قراره صُنِع في لبنان، من المَخزون السّيادي الذي تفتقر إليه أدبيّات حاملي البَصمة المُشوّهة، أدوات حلم الأقربين بالإطباق على البلاد، أولئك الذين يلوكون ما يُلقَّنون على غير دراية، والذين يعانون من العُري الوطني يتحسّسونه في نفوسهم العَفِنة، والذين لو نطقت الوطنيّة بحُكم لَلَفظهم حبل المشانق.

إنّ موقف الرئيس هو انتساب وجدانيّ للكرامة، وكونه احتجاجاً موثّقاً على المَساس العدوانيّ بالأرض والشّعب، غداً إعادة إحياء شرعيّة لمفهوم الوطن السيّد لا الوطن المُنتَهَك أو الضحيّة. فعندما يستفيق الجرح، تفشل محاولات تجميل القبح، قبح الذين قرّروا أن يحكموا الى الأبد، قبح الأوصياء الذين امتلكوا لبنان ولاية نهبوها وتركوها في عهدة لصوص. الرئيس يريد التّغيير، وهذا حقّه، بعد عقود من أخذ الوطن رهينة تمّ إرغامها على قهرها واستباحتها وتحريم حلمها بالتحرّر.

الرئيس يريد إسقاط الإستعمار الأخويّ، ومقاومة الخوف من الآخر الأكثر بعداً، ورفض التبعيّة لأيٍّ كان، لاستعادة عقرب البوصلة الذي لن يتّجه إلاّ صوب الكرامة الحرّة. الرئيس يريد الإنقلاب على ما كان دارجاً في اللغة اليومية من تلاحم المسارين والتاريخين، في استفاقة لتراثٍ من النبض الثوريّ الذي رافق نضال لبنان في تطويع التاريخ. الرئيس يريد خروجاً على خطط تقويض الدولة وإخضاعها لسياق “سلطانيّ ” مستورد، في عدم ملاءمة حاضرة لنمط التذمّر الصّامت والصبر على الشكوى، فكأنّه اختصر المنظومة الثوريّة من دون عنف، وبأسلوب هو الأكثر رُشداً في التعبير عن شوق الناس.

لقد قلب موقف الرئيس الموازين، على مستوى إنتاج تغيير في بنية التعاطي مع النظام السوريّ، تميّز بالتحوّل من إنهيار الكرامة بالخضوع والطّاعة، الى بناء من التشكيلات الوطنيّة المتقدّمة التي تستعيد ما ضُيِّع من الحريّة والسيادة. وهذا ليس سوى انتصار لعامل الكرامة الغضبى في نفس رئيس لبنان على سلطان الخوف.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

One response to “الرئيس… كرامَة”

  1. Sorry to wonder , Dr Chibli , the dignity of the President , the topic of your article, is a virtual or a true qualification of our President.

خبر عاجل