إنّ ما قام به الجيش اللبناني في عبرا سطّر مجداً في سجلات المجد بغض النظر عن الكلفة الباهظة التي تكبدتها المؤسسة العسكريّة من شهداء ومصابين ومن أضرار ماديّة. لكن هل أكمل الجيش اللبناني مهمّته في عبرا؟ أم أنّ هذه المرّة أيضًا خلّف وراءه مشكلة جديدة حلّها سيكون ثمنه أغلى بكثير على المؤسسة؟
إنّ ما حصل في نهر البارد انتهى بانتهاء المخيّم وببقاء تنظيم فتح الاسلام وقائده شاكر العبسي المتواري عن الأنظار حتّى هذا اليوم، تماما كما انتهت حوادث عبرا بإسقاط الأسير عسكرياً وميدانياً، لكنه بقي مجهول المكان كشاكر العبسي. وهنا يكمن عمل الأجهزة الأمنيّة في مطاردة العبسي والأسير للوصول إليهما وإنهاء حالتيهما بالمطلق.
لن نناقش هنا السبب الذي أدى إلى تنامي حركة “فتح الاسلام”، بل سنكتفي بكيفيّة تنامي حركة الأسير. فهو أنشأ حركته على ظهر “حزب الله” ووجوده في مدينة صيدا بشقق أمنيّة في مربّعه الأمني في عبرا والذي بناه انطلاقا من سياسة الأمن بالتّراضي.
هذه السياسة التي تعتمدها الدولة إرضاء لوجود الجماعات المسلّحة، المستمدّة قوّة وجودها من سلطة كانت وصيّة على دولة لبنان. أمّا اليوم وبعد زوال هذه السلطة، فلم يعد بالإمكان تغطية هذه الجماعات من الدّولة نفسها لتفادي مشكلة قد تكون صغيرة في حينها، وتكبر بعد تركها تماما كالورم السرطاني قبل اقتلاعه. وهذا ما حصل مع حركة “فتح الاسلام” التي تنامت على ظهر قضم الاعتدال السنّي، كحركة الأسير أيضا التي اجتاحت الشارع السني المعتدل الذي استُضعف بعد حوادث السابع من أيّار وغياب زعيمه في منفاه الطّوعي في فرنسا.
كلّ هذا سببه واحد، وجود سلاح خارج إطار الشّرعيّة والتّسلّح بهذه الحجّة لمواجهة هذا السّلاح بسلاح غير شرعي مثله تماما، وبالتّالي هذا الصّراع يكون قد خدم صاحب الذّراع الأقوى التي تمتلك السلاح والتنظيم والتّمويل منذ أكثر من ثلاثة عقود. وهذا ما يعني أنّ كلّ هذه الحركات إنّما تخدم “حزب الله” بطريقة غير مباشرة إذ تساعده في تنفيذ مشروعه في القضم من هيبة الدّولة أكثر فأكثر لمصلحة دولته وخدمة لمشروعه الإقليميّ الكبير الممتد من الضاحية الجنوبيّة إلى القُصَير فقُمّْ وطهران.
من هذا المنطلق، وبناء على ما تقدّم، الحلول المجتزأة من اليوم فصاعدا لن تكون شافية ولا تليق بدماء شهداء الجيش اللبناني الاجلاء. فالقضاء على العلّة من دون القضاء على المسبّب إنّما يعتبر معالجة جزئيّة يتمّ تأجيل المعالجة النهائيّة إلى ما لا تُحمد عُقباه في مرحلة مقبلة قد تكون قريبة، وعندها ستكثر التّضحيات أكثر والكارثة ستكون أكبر.
لذلك فعلّة وجود حركة الأسير هي مواجهة حركة “حزب الله” وشققه الأمنيّة في عبرا. من هنا، الجيش اللبناني مدعوّ اليوم إلى متابعة مهامه ومداهمة كلّ الشّقق الأمنيّة في كلّ لبنان وليس في عبرا وحسب. كذلك عليه إنهاء ظاهرة المربّعات الأمنيّة أينما وجدت في لبنان، ومن ثمّ على السّلطة السياسيّة بكلّ أطيافها أن تكفّ عن تغطية الأزلام التّابعة لها والتي تنتقص من هيبة الدّولة وسيادتها، وإيقاف ما بات يعرف بسياسة الأمن بالتراضي.
الجيش اليوم سيتابع المسيرة ومن لا يدعمه في مسيرته إنّما هو الخائن والعميل والمتواطئ على هيبته وعلى سيادة الدّولة وعلى كلّ حريّة وكرامة اللبنانيّين. فلا جيش وشعب ومقاومة بعد اليوم، لأنّ الشّعب هو الجيش وما هذا التّعاطف الذي ظهر في الآونة الأخيرة مع المؤسسة العسكريّة الا ليثبت أنّ كلّ اللبنانيين إنّما لا يريدون غير الجيش اللبناني في لبنان. فلا فصائل فلسطينيّة ولا إيرانيّة ولا قوات ردع سوريّة مخابراتيّة مسموح بقائها اليوم في لبنان. فلتنزع كلّ الأسلحة أينما وجدت وليبقى سلاح واحد. فلا مقاومة ولا شعب مقاوم في ظلّ وجود دولة سيّدة حرّة ومستقلّة، جيشها وحده يدافع عن حقيقتها الوجوديّة والكيانيّة.
زمن انكسار هيبة الدّولة بانكسار هيبة جيشها ولّى. لقد أثبت الجيش اللبناني جدارته في مواجهة العدو الإسرائيلي. فلا ينسيّن أحد كيف تمّ إسقاط ضابط من جيش العدوّ يوم قرر هذا الأخير اقتلاع شجرة من أشجار العديسة. فلا يجرؤونّ أحد بعد اليوم على اختبار هيبة وقدرة الجيش.
المسيرة ستُكمّل ونحن كلّنا جيش في سبيل الوطن إن أكمل الجيش ولا صوت سيعلو على صوته وحده في لبنان. فليتابع ما بدأه في العديسة ونهر البارد وعبرا وكلّنا جيش لمقاومة من سيجرؤ.
وكلّنا جيش لمقاومة من سيجرؤ.
كان الافضل للكاتب الكريم ان يقول الجيش وراء حزب الله