بضعة أيّام كانت كافية لإجراء حساب حقل ” حزب الله ” على بيدر صيدا ، ومنها بيدر لبنان في السياسة والأمن .
إذا كان انفلاشه في سوريّا إلى جانب النظام منَحَه اعتداداً بالنفس ، وإحساساً بأنّه بات ” قوة عظمى ” يستطيع تغيير معادلات وفرض استراتيجيّات ، فإنّ انفلاشه في صيدا إلى جانب الجيش ، وأحياناً وراءه وقبله ، أدّى إلى نتيجة معكوسة بيّنت هشاشة الربح الوهمي الذي حقّقه .
الواضح أنّ ” حزب الله ” مُني بخسارتيْن في صيدا :
– تأليب الرأي العام الصيداوي ضدّه بعدما انكشفت ارتكاباته في القصف والقنص والتفتيش والتوقيف والتطويق ، واستباحة أحياء كاملة في المدينة ، تحت رايات وشعارات وهتافات شديدة المذهبيّة . حتّى أنّ القوى التي دعَمها ورعاها وموّلها وسلّحها وجدت نفسها في وضع حرج ، واضطرّت للصمت أو للتبرير الضعيف والخجول لما جرى .
وهذه النتيجة حوّلت المستكين إلى منتفض ، والمهزوم إلى منتصر ، ما أجبر ” الحزب ” على إخلاء شققه التي كانت أصل المشكلة ، وتوسيط أكثر من طرف لاحتواء الغضب والنقمة . الشقق لم تكن إذاً سوى ذريعة للتوريط ، وانتهت مهمّتها الآن بعد ” 7 أيّار صيداوي ” ، ليس ” مجيداً ” بالتأكيد .
– أمّا الخسارة الثانية ، فهي علاقته مع الجيش . صحيح أنّه لعب لعبة خطرة وقذرة في سحب نفسه من خطّ المواجهة الأوّل ، وجعل الصدام بين الجيش ومجموعة الأسير ، ولكنّ الخطورة تكمن في الشكوك حول الكمين ، ثمّ الإصابات من الخلف ، وتعمّد تصوير عناصره بلباس الجيش مع إضافة الشارة الصفراء !
هذه الممارسات زرعت الكثير من الحذر لدى القوى العسكريّة ، خصوصاً أنّ بصمات ” الحزب ” لم تغبْ عن بعض الصور والأفلام التي تمّ تسريبها ، والتي باتت خاضعة لتحقيق القضاء العسكري .
ولم يخفّف الإيحاء بإصدار بيان يدين الإعلام وأفلامه ” المركّبة ” من الإحتقان بل زاده ، لأنّ الصيداويّين بمدنيّيهم وقياداتهم السياسيّة وعلمائهم كانوا شهود عيان على كلّ ما اقترفته المجموعات المسلّحة المنظّمة وبعض تجاوزات رهط عسكري . وارتدادات الحدث الصيداوي في طرابلس وبيروت توجب التبصّر .
فكلّ ما كان يُقال همساً وتلميحاً حول ” تفاعل ما ” بين ” حزب الله ” وبين أجهزة وقوى عسكريّة ، خرج إلى العلن ، مع حرص شديد من المرجعيّات السياسيّة ، في صيدا وبيروت وطرابلس ، على تصحيح الخلل إنقاذاً لدور الجيش ورسالته ، وتنزيهه عن كلّ محاولات الإستغلال لدماء شهدائه .
وقد كان القائد الأعلى للقوّات المسلّحة ، رئيس الجمهوريّة ، سبّاقاً في التحذير من الإستخدام السياسي الرخيص لتضحيات الضبّاط والجنود ، ومحاولة تشنيع موقفَيْ الرئيس وقائد الجيش ، من أجل حسابات شخصيّة في طموحَيْ مسترئس وصهره !
وفي حساب الخسارات أيضاً ، لا تخفى نقطة إضافيّة في سجلّ افتراقات حليفَيّ ” التفاهم ” . ففوق التمديديْن لمجلس النوّاب وقائد الجيش ، يدور صراع خفي على النفوذ داخل المؤسّسات العسكريّة .
فقد كان هناك نوع من تكامل و ” تفاهم ” على تعيينات هنا وتشكيلات هناك ومراكز نفوذ هنالك ، وكأنّ الحليفيْن يملكان سعيدَيْن المفاتيح العسكريّة . وقد بدأ تنافر المصالح يتضاعف منذ فترة ، وجاءت مواجهات صيدا لتزيد الشرخ .
كثيرون يعتقدون أنّ كلّ هذه التناقضات تنهار أمام الرابط ” الاستراتيجي ” ، لأنّ ” التفاهم ” ليس بين متكافئيْن ، بل بين متبوع وتابع ، قائد ومقود ، ولن تُتاح للتابع فرصة التحرّر .
لم يظهر حتّى الآن أنّ ” حزب الله ” يراجع ميزان أرباحه وخسائره . لا يُتقن إلاّ معادلة رابح رابح . بل أسوأ ، لا يرى في حروبه إلاّ انتصارات ” إلهيّة ” ، وسلسلة من ” الوعود بالنصر مجدّداً ” لا تنتهي .
فلو اعترف ” الغالبون ” بعثراتهم ، ووقفوا أمام خسارة واحدة ، لَمَا أصابهم غرور ، ولا ضمور .
في مقال السبت الفائت ، كتبْتُ عن انكماش ” حزب الله ” في لبنان مقابل انفلاشه في سوريّا ، مع خريطة بشريّة وجغرافيّة لمربّعاته المتباعدة .
اليوم ، باتت تنقّلاته محفوفةً بخطر العبوات ، كما في برّ الياس وكسارة . وأسوأ منها عبوات الكره التي يزرعها بنفسه ، في وجه كلّ القوى والطوائف . ويقدّم برهاناً جديداً على انقباضه في صيدا ، وفي مدن ومناطق أخرى ، خلافاً لكلّ مظاهر القوّة والسطوة والسلاح .
يربح صورة الغالب الجبّار ، ويخسر سلاسة الإنتشار .
وكم من الملوك والجبابرة ، أقفلوا على جبروتهم ، وانتهوا وراء الأسوار .
– صفة جديدة لا بدّ أن نضيفها اليوم على الصفات
الألوهية الخارقة التي يتميّز بها حزب الله ، فهو لم يعد فقط الحزب المدجّج
بسلاحيّ الصواريخ الإيرانية الفتاكة والمعرفة الخمينية الخالصة ، ولم يعد فقط
الآمر الناهي في مسألتيّ ” الحرب والسلم ” و ” الإنتحار الجهادي
” ، كما لم يعد مكتفياً بتقديس ذكرى أيامه ” المجيدة ” التي خلّفت ندوباً في النفوس يستحيل شفاؤها
…. إنه اليوم الحزب المتكارم علناً وجهاراً وبوقاحة متمادية على حلفائه وعلى
خصومه . كرمه على الحلفاء لا يضاهيه كرم ، فهو يقدّم للجيش الأسدي المجرم مقاتلين ”
أشدّاء ” تدرّبوا على إطاعة الأوامر بصمت مجبول بذلّ الخضوع ، ويقدّم بكلّ
أسف للجيش اللبناني الدعم الميداني المليء بالألغام التي يحضّر لتفجيرها على مراحل
. وأما كرمه على الخصوم فقد بدأه باغتيال قادتهم وبتوزيع الحلوى احتفالاً بالتخلّص
منهم ، وهو اليوم يستكمل ما بدأه بالإستمرار في تهديدهم بشتّى الأشكال الظاهرة
والمبطّنة . وما الواقع المؤلم الذي يعيشه لبنان اليوم سوى النتيجة الحتمية أولاً
لتفاهم بائس أخضع قسماً من المسيحيين المضلّلين وجرّدهم من النبل والكبر ، وتالياً
لشعار واه وواهن يساوي بين الجيش المفترض أن يكون المدافع الوحيد عن الوطن ،
والمسماة ” مقاومة ” والمفترض أن تنكفىء عن أدوارها غير اللبنانية ،
والشعب المقهور المفترض أن يكون له غد متحرّر تماماً من موبقات الأحزاب الشمولية
التي تدفع في اتجاه نموّ التطرّف ثم تدّعي محاربته . وفي ظلّ ضعف الدولة ككل
وعجزها عن وضع حدّ لسيطرة حزب الله المهينة للبنانيين ، فالمؤسسة العسكرية مدعوة
بجدّية إلى فك هذا الإرتباط مع الحزب ، في الشعارات وفي المواقف وفي البيانات
” العقلانية المدروسة ” وخصوصاً على أرض الواقع ، أكان واقع سلم أو واقع
حرب . بهذه الطريقة فقط يمكن طمأنة الشعب اللبناني بأنّ كرامته وكرامة جيشه
مصانتان ، وبأنّ دماء شهدائه الأبرار لن تكون مهدورة مطلقاً .