إنّ تفكيك الآليّات الحاملة للهلوسة كفيل بتحرير العقل ، لينتقل من عالم الدّماغ المعطوب المدمَّر وعيه الى ضفّة العقل السويّ المُدرك ، ويستفيق من سيطرة الخرافة والهذيان فيعبر الى منطقة اليَقظة الذّهنيّة . وهذا من شأنه أن يقلّص درجات النّوبات الهذيانيّة الصّادرة عن إصابات بنيويّة في النفسيّة ، كإدراك لموجود غير موجود سوى في العقل السّقيم.
إنّ بعض الذين يتعاطون الشأن العام عندنا من أصحاب الألقاب، يظنّ أنّ عقول النّاس تشبه نخاعه، أي مجرّد جمجمة عظميّة تحتوي على كابلات مهترئة عاجزة عن إيصال التيّار الفكريّ بشكل سليم موصول. ويدّعي هذا البعض، العاطل عن العقل، أنّه منهمك بإيجاد الحلول النّاجعة لكتلة الأزمات التي لا يُرى منها سوى انسداد الأفق، وذلك بتضخيمه أخطاء منافسيه وشوائب خصومه ، من دون أن يقارب الأزمة بما لديه من رؤىً، هذا إن وُجدت أصلاً. ومردّ ذلك الى العقم الذي يلازم الرّدهات الفارغة في جمجمته وهي ساحة مفتوحة للصّدى والتناقضات ليس إلا.
وخير مثال هجومه غير المسبوق على التركيبة الحاكمة، في حين أنّه يشارك فيها، لا بل يشكّل عصبها المُساهم في تغذية فسادها. فهو يستسلم لهذه التركيبة عند اقتناص الجوائز والمُحاصصة في مشاريع ملتوية وسمسرات مشبوهة، وهو ينقضّ عليها، وبنجاح منقطع النّظير ، عندما يقف أمام حشوده الممسوكة والتي لا تُتقن سوى التّصفيق والزمجرة لدى سماعها الحملة الشعبويّة العشوائيّة التي تكلّل ظهورات “دولته”، والتي لا تنمّ سوى عن إضطراب في التّوازن الفكريّ، وخلل في حسّ العقل بعيداً عن أيّ منطق.
إنّ محاولة إصلاح ما تدمّر لدى هذه ” المرجعيّات ” تندرج في إطار الصّراع مع المستحيل، ما يعيدنا الى حرب دونكيشوت مع الطواحين ، وهذا أمر لا يهمّنا أساساً، فالمثل الشّعبيّ هنا هو خير دليل “فالج لا تعالج”. أمّا الخوض في معالجة الذين أُصيبوا بالعدوى، فهو واجب مفروض، مهما امتدّ على مساحة زمنيّة واستلزم جهوداً وتعبئة وأحياناً إخفاقات، حتى يقتنع هؤلاء بأنّ محاولات ” بطلهم ” المُنتفخ عقلنة اللاّمعقول أصبحت باطلة ، وبالتالي فمكانهم معه لم يعد المكان الأمثل لتحقيق مواطنيّتهم في صون السيادة والحفاظ على الدولة.
المشكلة بالنسبة إلينا ليست في البطل أو معه، بل مع الغائبين عن الوعي، هؤلاء الذين تمّت مغنطتهم بكاريزما ذكيّة ولكن مُخرّبة وخطيرة، وقد اعتبرتهم في الأساس إحتياطيّي تصفيق، وحوّلتهم الى أبواق تساهم مجّاناً في عمليّة الإنقضاض على كيان الوطن وفي الإنقلاب على مفهوم النّظام ، وبشكل آليّ . المهمّ أن تنتهي صلاحيّة هذا التخريب بالعمل على الإفراج عن المصفّقين وذلك بالتركيز الهادئ المستمرّ على غياب الحجّة في ما يدافعون عنه بطريقة لاواعية. وهكذا يتمّ التدرّب على النّقلة النوعيّة من مشروع سحق السلطة الوطنيّة وفرض الرأي الواحد بالقمع وبتركيبات هجينة لا حاجة للكثير من الخيال لتصوّر أذاها ، وتتمّ الصّحوة فالعبور الى حال المصالحة مع الذّات ومع الوطن من دون إذن الوصيّ ،وهذا لا يتحقّق إلاّ بقرار ذاتي واعٍ وبمساعدة آليّات الإقناع ، فكلّنا يدرك أنّ حريّة القرار والتصرّف كحريّة الأوطان ، تُؤخذ ولا تُعطى . وأوّل النّقلة الواعية إلغاء التفويض المُعطى للبطل باختزالهم وبتجييرهم الى الشرّ وبتهجيرهم من موقعهم الوطنيّ، آنذاك، ليصبحوا أدوات مٌسيّرة في مؤامرة القضاء على وطنهم . أمّا ثاني النّقلة ففي رفع الغطاء عن البطل وتبعيّته وبيعه جماهيره بالوصوليّة والمصالح الرخيصة، وفي فضح بنود خضوعه ووطنيّته المزيّفة والمموّهة بألف اختلال وعنوان.
هي فرصة قائمة، وتدوم، لإِقدام العقل على ترجمة أنّ الغربة عن الوطن ليست إستراتيجيّة الشرفاء، هؤلاء الذين عليهم أن يُقلقوا بطلهم ومَن وراءه من المفترسين بأنّ حلبتهم سوف تصبح فارغة، فالحرية لم تعد مجالاً يستبيحونه، وحربهم البائسة على الوطن لن تغذّيها بعد دماء المتفوّقين على التّطبيع ورسائل الخوف. هي فرصة لكرامة العقل صاحب القرار، وهو أساس سائر الكرامات، فالعقل وحده زينة الرجال الرجال.
ابو الليمونة المعفنة النتنة ليس برجل ليطبق هذا المثل عليه