مهما دار التّاريخ فلا بدّ أن يصل إلى ما هو لخير البشريّة جمعاء. لقد تمّ عزل جماعة الإخوان المسلمين لأكثر من خمسة عقود من الزّمن وذلك بالقوّة وبالاضطهاد والتعذيب الذي تعرّضت له هذه الجماعة في سجون أمن الدولة في مصر، بتهم تتراوح بين الخيانة العظمى والتآمر على مصر وصولاً إلى ممارسة أعمال إرهابيّة بحجّة الدّفاع عن الاسلام. أمّا الإشكاليّة المطروحة هنا فتكمن في السؤال: ماذا لو لم يقمع الإخوان في مصر منذ فترة تناميهم الأولى؟ ماذا لو سُمح لهم الدّخول في السلطة حينها؟
مرّة جديدة قالها سمير جعجع الرّؤيويّ، فليحكم الإخوان لكن الإعلام الرّخيص اجتزأ تصريحه ولم يتابع بقيّة التّصريح الشّهير حيث صرّح الحكيم للمرة المليون: “أنا مع الديمقراطيّة في مصر، فإن حكم الإخوان بتطرّف فالشعب سوف يحاسبهم”. لم يصدّقوه حينها لأنّهم تخرّجوا من المدارس البعثيّة على يد أسيادهم، فهم لم يقبلوا يوماً بالديمقراطيّة لأنها لم تفرز لهم نتائج ترضيهم، فاستعملوا عندها القمصان السّود للإنقالاب عليها.
هذه التّربية اعتدنا عليها، فكل عقائدهم منطلقها واحد الفكر المتحجّر الذي لا يقبل بالآخر كائناً من يكن هذا الآخر. والمؤسف أنّهم لا يتعلّمون من التّاريخ. يكفي أن ننظر فقط إلى النّموذج الشيوعي الذي لفظه التّاريخ بعد أكثر من سبعة عقود من الزّمن. فالثّورة البولشيفيّة وصلت بواسطة العمّال أي طبقة البرولتاريا آنذاك، وبعد اثنين وسبعين عاما من التطبيق المجحف والاضطهاد والذلّ والفقر ثارت هذه الطبقة نفسها لتسقط بالديمقراطية حكما ابتدأ ديمقراطياً وتحوّل ديكتاتورياً.
ولن نعود بالتّاريخ أكثر إلى زمن كلّ الثورات التي أطبقت على الظلم والاستبداد. غريب أمر كلّ أولئك الذين لم يفهموا مقولة فليحكم الإخوان. فهم حكموا ولأقل من سنة واحدة عاد الشّعب وثار عليهم وأسقط حكمهم. وها هم اليوم يلفظون أنفاسهم الأخيرة تماما كالشيوعيّة السوفياتيّة التي تحوّلت إلى ما يشبه “حزب التضامن” عندنا بعد أن كانت قطبًا من القطبين الذين تحكّما بالسياسة الدوليّة لأكثر من سبعة عقود.
فمنطق التّاريخ وحده يعترف بحق المظلوم على الثّورة، وهذا حقّ جسّده المصريّون في مليونيّة شعبيّة طوّقت حكم الإخوان وأسقطه ديمقراطيًّا. وبالتّالي سقط مشروعه أخونة الدّولة المصريّة. ومن الأساس لو لم يطبق الحكم المفروض ديمقراطيا على جماعة الإخوان أيام مبارك، لكانت هذه الجماعة دخلت صلب التّركيبة الديمقراطيّة وهذه التركيبة نفسها قضت عليها، تمام كما دخل “حزب الله” اللبناني التركيبة الديمقراطيّة وراحت هذه التركيبة تسقط من مشروعه في جعل لبنان ولاية للفقيه لو أنّه فقط لا يملك السّلاح والقرار الاستراتيجي للدّولة اللبنانيّة، وهكذا سيكون مصيره مهما طال الزمن.
وما لفت على مواقع التواصل الاجتماعي شوق اللبنانيين إلى ثورة على غرار النّموذج المصري، لكن فاتهم أنّ ليس كلّ اللبنانيين يعانون من الظلم. فقسم منهم يملك السلاح ويتحكّم بالقسم الآخر، فكيف يطلبون منهم أن يثوروا وهم أصحاب القرار ومالكي الدّولة الحصريين من خلال سيطرتهم على قرارها الاستراتيجي؟
فثورة 14 آذار 2005 ما كانت الا لأنّ معظم اللبنانيين كانوا يشعرون بالظّلم، والثورة المطلوبة اليوم في لبنان لن تتم من قسم يملك السلطة والقرار. لذلك المطلوب اليوم منّا كلبنانيين، أن نعمل للثورة على سلاح الظلم والغدر و7 أيّار والقمصان السّود وتوريط لبنان في المستنقع السوري للمطالبة بعدها بالثورة الحقيقيّة التي ستعبر بلبنان إلى الدّولة القويّة القادرة التي ستملك وحدها الحقّ الحصري في حمل السلاح للدّفاع عن كرامة وسيادة كلّ الوطن.
وليتّعظ الجميع، عندما يتكلّم الحكماء لا يجتزئنّ أحد كلامهم لمآربه الشخصيّة، لأنّه سينقلب على رؤوسهم ليغوصوا أكثر فأكثر في نهايات ساقطة ستمحو كلّ تاريخهم السياسي بما فيه من انكسارات حقيقيّة وانتصارات وهميّة. وليتّعظوا مّما حصل عندما حكم الإخوان، فهم لهم إخوانهم ونحن لنا إخواننا والفارق الوحيد بين إخوانهم وإخواننا في لبنان، السلاح الموجود الذي وحده يحمي استئثار إخواننا بقرار دولتنا الرّهينة. آن الآوان لثورة حقيقيّة في لبنان.
أرضك عم تندهلك ثورة ……