هل نحن من أبناء الجمهورية اللبنانية؟ سؤال تردّد على مسامعنا في جولة ميدانية في عاصمة الشمال، لا سيّما أثناء حديثنا مع أبنائها الذين اشتاقوا الى رعاية الدولة والاحتماء بها، وهم يفتقدون اليوم تلك الجلسات الإستقصائية في مقاهيهم المفضلة، بسبب قربها من المحاور. إلّا أنّ أبناء طرابلس عادوا اليوم، وتجمّعوا من حولنا، يتسابقون ليرووا لنا كم كانوا يستمتعون في الأمس البعيد بالإصغاء الى أقاصيص الحكواتي الذي كانوا ينتظرونه يومياً ليخبرهم عن بطولات عنترة وإنجازاته! لكنّ عنترة لم يعد اليوم في نظرهم هو الحكاية، ولم تعد «عيون بهية» في أغنية وليد توفيق مطربهم المفضل، هي الرواية ! إنّماالرواية … كل الرواية … قادة المحاور!
الطرابلسيون منشغلون في هذا الزمن البائس بالتقارير اليومية التي تردهم ليقصّها عليهم الحكواتي في المقهى نفسه، إنما لشخصيات مختلفة سرقت الأضواء لكن بقيت خلفها… فيبدأ الحديث عن بطولات قادة المحاور.
والحكواتي، على رغم أنه ما زال يعتلي منبراً خشبياً ويجلس على كرسيٍّ خيزراني، لم يعد يحمل في يديه العصا الخيزراني، بل بارودة “م 16” معلّقة على كتفه! والمستمعون لم يعودوا بسطاء، يكتفون حين يتوقف الحكواتي عن السرد في اللحظة المشوّقة، ويقول لهم: “غداً نخبركم كيف هجم عنترة!”، وبكل بساطة لأنّ “عناترة” الأمس وأبطال الزمن الغابر لم يعودوا أبطال اليوم بل قادة المحاور “القصة كلها”.
ويبدأ فادي بسرد الحكاية: “هم ملوك اللعبة هنا، وباتوا يتحكّمون بالمدينة لكأنهم هم حكامها”، ويتسأل: “مَن مِن اللبنانيين لم يسمع بعد بقادة المحاور؟”، هم ينشطون ليلاً نهاراً في الأحياء والأزقة غير آبهين إذا ما عرّف الإعلام عن هوياتهم أم غيّبها، فهذا ليس همّهم لانّ اشهرهم غاوي عقيدة وليس غاوي شهرة، وعلى رغم تجاهل الإعلام تظهيرهم والاكتفاء بالتعريف عنهم على الشكل الآتي: “اجتمع الوزير و… مع قادة المحاور!”، فهم اشهر من أن يعرّفوا لأنهم في صلب أقاصيص ليالي الشمال الحزينة، وعلى لسان اهالي طرابلس وتقارير الأجهزة الأمنية.
… فمَن هم قادة المحاور؟
يستوي ابو فادي في جلسته بعدما قاطع ابنه ليتسلّم دفة الحديث. يأخذ نفساً عميقاً من النرجيلة المتربّعة على عرشها في كل شبر من زوايا المقهى ويقول: سأخبرك عن المحاور القتالية جميعها ومَن هم قادتها، وبعدها يمكنك التكهن مَن يحاور قادة المحاور!
تُعتبر التبانة المنطقة الأكثر سخونة في نطاق طرابلس وتتداخل فيها محاور خطيرة وعلى خطوط النار وأبرز قادتها:
شادي جبارة
يقود محور بعل الدراويش، وهو محور خطير ومتداخل بين الطرفين. جبارة قائد سلفي وله تاريخ وسجلّ حافلان. فهو أوقف سابقا بتهمة الإرهاب لكنّ المحكمة برّأته. يبلغ عدد المقاتلين (أزلامه) ما يقارب الأربعين مقاتلاً وهم ينتمون جميعهم الى التيار السلفي، يوالونه لأن لديه خبرة في التاريخ القتالي.
سعد المصري
هو قائد محور “ستاركو”، ومحسوب على الرئيس نجيب ميقاتي، ويتلقى الدعم المادي والسياسي منه ولديه عدد لا بأس به من المقاتلين وهم يتجاوزون المئة عنصر. وهؤلاء، على رغم أنهم تنظيم عسكري ضمن مجموعة، إلّا أنّ هناك عدداً من السلفيّين من ضمنهم، وهذه المجموعة السلفية تتلقى الدعم ايضاً من بعض السلفيّين. أما المصري فهو شقيق خضر المصري الذي توفّي بعد أسبوع من مصارعته الموت على اثر أحداث باب التبانة، وكان مقرباً جداً من ميقاتي، ويعتبر ذراعه الاساسي في التبانة، إلّا أنّ شقيقه سعد المصري هو رجل بسيط وأمّي وسطع نجمه على حساب مقتل شقيقه.
جولان طبوش ومحمد الجندح
يتشاركان قيادة محور “ستاركو – 2” في منطقة التبانة. وعلى رغم أنّ عدد مقاتليه لا يتخطى العشرين، إلّا أنّ طبوش وجندح يشاركان في اجتماعات قادة المحاور!
سمير المصري
هو قائد المحور القريب من منطقة الشعراني ومن ثكنة طرابلس العسكرية، ويمتد هذا المحور الى طريق الريفا، وبإمرته 200 مقاتل. المصري رجل متموّل له ثأر مع النظام السوري بعدما قضى هذا النظام على شقيقه في الثمانينيات… الجدير ذكره ان هؤلاء المقاتلين لا يشكلون حالاً تنظيمية في الأساس بل حالاً ثأرية.
عامر اريج
يمكن اعتباره قائد محورَي المنكوبين والملّولي، إذ إن هذين المحورين متداخلان، ويسيطر اكثر من شخص على محور المنكوبين. يبلغ عدد مقاتلي اريج ما يقارب الـ60 مقاتلاً، قسم منهم محسوب على الملّولي وقسم على المنكوبين. أما اريج فقد نجا من محاولات اغتيال عدة وما زال تحت دائرة الضوء والخطر. وهو على علاقة طيبة مع جميع قادة المحاور، وعلى علاقة وطيدة بالشيخ احمد الأسير.
حسام الصباغ
هو قائد محاور، وليس محوراً معيناً. يوزع عناصره الذين يتجاوز عددهم الـ300 مقاتل على محاور عدة ولا يتمركزون في محور ثابت وهم سلفيّون صرف. تتمركز نقطة نفوذهم بين “طلعة العمري”، “وطلعة السيدة”.
ويضيف أبوفادي أنّ الصباغ وعناصره في المعركة ما قبل الأخيرة كادوا أن يصلوا الى منزل رئيس الحزب “العربي الديموقراطي” رفعت عيد في جبل محسن لولا تدخل الجيش اللبناني وإيقافهم.
زياد علوكي
هو قائد محور حارة البرانية، وهي منطقة اللواء اشرف ريفي حيث نشأ وترعرع، ويعتبر هذا المحور مهماً وخطيراً، ويمتد الى “طلعة السيدة” في جنوب جبل محسن ويضمّ أكثر من 150 مقاتلاً يقودهم علوكي الذي يتفرّد بقراراته، ولا يأتمر من أحد لكنه أقام حلفاً مع عامر اريج ويُشاع أن اللواء ريفي يمكنه المَوْنة عليه.
محور الشعراني: ينقسم الى جزءين:
الملقب «حبَيْبو»
يقود محور الشعراني (1) وعدد المقاتلين في صفوفه غير محدد ولكنّ لديه عدداً لا بأس به من العناصر، هو ابن المنطقة ونشأ فيها ويعتبر أن الدفاع عن منطقته واجب. وهذا هو الدافع الأهم على حدّ قول أبو فادي الذي جعله يقود محور الشعراني (1).
ابو عبد القادر و«ابو حزيكى»
و«ابو علي»
هم قادة محور الشعراني (2)، ينتمون الى التيار السلفي، هم ميسورون، يتكفلون انفسهم بالدعم المالي، أما الدعم المعنوي والسياسي فيحصلون عليه من الشيخ داعي الإسلام الشهال، ومن الشيخ بلال دقماق. مقاتلو هذا المحور هم أبناء المنطقة ويبلغ عددهم نحو الـ70 مقاتلاً وقد قتل احد شبابهم ويدعى معمر سنكري في المعارك الأخيرة.
تجدر الإشارة إلى أن مسافة قصيرة تفصل بين محور وآخر، وأنّ هؤلاء القادة مجتمعين، أي قادة المحاور الساخنة، يمون عليهم التيار السلفي، لكن لا قائد محدداً لهذا التيار في المنطقة حتى الآن، بل هناك قادة، وليس هناك دعم موحد لهم.
اما اليوم وبعد الاحداث المفصلية، يتساءل المراقبون كيف ومن نجح بامتياز حين حاور قادة المحاور؟ وكيف تمكن من إبقاء جبهة طرابلس نائية عن نفسها عن دعوة الشيخ أحمد الأسير إلى مناصرته؟
ليبقى اللغز كيف ومن قدر على تهدئة جبهة المحاور؟
يا عين صب دمع