بعد اللقاءات التي وصفها أركان “التيّار الوطنيّ الحرّ” بالإنفتاحيّة، ولا سيّما مع السّفير السّعوديّ في لبنان، وبغضّ النّظر عن كون هذا التّقارب جزءاً من ضمن خطّة تكتيكيّة تهدف الى أن تتراجع المملكة عن قرار طرد اللبنانيّين من أنصار عون والذين يعوّل الجنرال على تحويلاتهم الماليّة لتغطية نفقات تيّاره، وبصرف النّظر أيضاً عمّا إذا كان الأجدى بالجنرال أن ينفتح على إخوته الأقربين قبل أن يوسّع دائرة هذا الإنفتاح، ماذا لو أطلقت المملكة العربيّة السّعوديّة إشارةً بقبول وصول الجنرال عون الى سدّة الرئاسة ؟
أمام هذه الفرضيّة، من الطّبيعي أن يحار الجنرال فيضع نفسه في مواجهة أكثر من إحتمال. فإمّا أن يرفض العرض في المُطلق، وهذا مردود أصلاً، لأنّ طموح الجنرال في مَساره السياسي قائم على هَوَس بالسلطة وهو حُلم أدمنته مخيّلته وصنّفته حقاً لا يمكن لأحدٍ أن يحرمه منه أو يحرّمه عليه، ولا سيّما أنّ المواصفات الشكليّة المُلزِمة لرئاسة الجمهوريّة مُتوفّرة في الرّجل، فهو لبنانيّ في الهويّة منذ أكثر من عشر سنوات، وهو مارونيّ في إشارة الصّليب حتى إشعار آخر، وقد تخطّى أيضاً حاجز سنّ المراهقة ( غير السياسيّة )، وبالتالي لا موانع شكليّة أمام ترشّحه لهذا المنصب. والجنرال يردّد دوماً أنّ الآخرين اغتصبوا حقّه في الرئاسة التي يجب أن توكل اليه قبلهم، فأُبعِد عنها قسراً وهو الأحقّ بها ولألف سبب. ثمّ كيف له أن يفرّط في وعد لطالما تفلّت من بين أصابعه، وأهرق في سبيله رصيده على مستوى المصداقيّة الوطنيّة والثّبات في الخطاب السياسي؟
وإمّا أن يتلقّف العرض بلهفة، ويقبل به من دون شروط أو مراجعة، قاطعاً حبال علاقاته بحلفائه الأقربين والأبعدين، من دون أن يأخذ بالإعتبار التّداعيات السلبيّة وردّات الفعل النّاجمة عن هذا التبدّل في الخَيارات، حتى ولو كان التبدّل يستر خلفه خطراً أو ثمناً غالياً سوف يُعمَل على تَدفيعه إيّاه. فالجنرال. في هذا المجال، شاطرٌ دائماً في نقل البيض كلّه من سلّة الى أخرى، فإمّا أن يخسر كلّ شيء أو يربح كلّ شيء. وهو شاطر أيضاً في تدبيج حجج يضخّها في نخاعات مناصريه، هؤلاء الصنميّين الذين لا يحمل الجنرال همّهم لأنّهم دائماً في جيبه الخلفيّ. أمّا في حسابات الجنرال، فإنّ مواقفه خلال “نضاله” السياسي والعسكري فناصعة الوضوح والنتائج، إن على صعيد المآثر والإنجازات الوطنيّة التي حقّقها بأسلوبه النّاجح هذا، وإن في نظره الثّاقب في عواقبها التي لم يذب طعم مرارتها بعد من تحت أضراس المجتمع المسيحيّ خصوصاً.
وإمّا أن يمعن النّظر في العرض، ويستجلي معادلاته، لا بل معادلته الوحيدة ، أي نقل البندقيّة من كتف الى كتف، والعبور الى الضفّة المقابلة لضفّة “حزب الله” في عودة الى الجذور الوطنيّة، وفي تبنّي إيديولوجيّة لبنانيّة وإستراتيجيّة لبنانيّة بدلاً من تسويق أهداف الحزب الهجينة والمدمّرة، فيحقّق خطوة متقدّمة في عمليّة سحب البساط الشّرعي والشّعبي من تحت أقدام سلاح “حزب الله”، وهذا هدف إستراتيجيّ بالغ الأهميّة لدى الخطّ المناهض لإيران ومشروعها في المنطقة.
إنّ قلب المعادلة لن يمرّ، في المقابل، من دون ثمن وهو الوصول الى سدّة الرئاسة، مع ما يختزنه هذا الوصول من إطمئنان داخليّ لدى الجنرال على قدرته الذّاتية، ومن “فشّة خلق” في حصرمة يفقشها في أعين حاسديه. حتى أنّ باستطاعة الجنرال أن “يغلّي” ثمنه، لاعتقاده بأنّ المحور الآخر بحاجة إليه وليس العكس. لكنّ الواقع يشير الى حقيقة مختلفة، فمحور “لبنان أولاً” لن تنطلي عليه لعبة الجنرال المشبوهة، لأنّ المؤمن لن يُلدغ من جحرٍ مرّتين. أمّا خسارة الجنرال بالنسبة لـ”حزب الله” فلم تعد كارثيّة، فالحزب الذي استخدمه ولأَجل، أصبح بإمكانه أن يستغني عن تغطيته بعدما استعاد هذه التغطية بنشوة الإنتصارات المزعومة في لبنان وفي خارجه، هذه النشوة بالنّصر التي سدّت منافذ بصره وبصيرته، فبات في دائرة الإنخطاف عن الواقع ومجرياته الحسيّة، وصار ينظر الى الدنيا فيراها من تحت أخمص قدميه. من هنا ، فانسحاب الجنرال من قطار الحزب لن يقدّم أو يؤخّر.
أمّا في ما يتعلّق بالثّوابت، فالجنرال ليس لديه منها سوى ما يرتبط بمصالحه. من هنا، يُطرح السؤال هل لدى الجنرال ثوابت أصلاً؟ في الواقع إنّ ثوابت الجنرال ضبابيّة لا ضابط لها معه. فهي تعيش عنده في مستودع الغموض والألوان الرماديّة، لذلك ينقلب عليها بسهولة من دون أن يرى في ما يقوم به مخالفة أو إنتهاكاً لكرامة الإلتزام ولمنطق الموقف.
وبعد ، فأيّاً تكن خيارات الجنرال، فإنّ حسابات حقلته لن توافق أبداً حسابات بيدر لبنان.
Hayda insen ma ilo asel