في خضم التحولات التي يشهدها عالمنا العربي والإسلامي، يحتدم الصراع والنقاش الفكري بين الليبراليين من جهة والإسلام السياسي من جهة أخرى. هذا الصراع الفكري لا يختزل بالطبع غنى وتنوع الأفكار السياسية والإيديولوجيات الأخرى في مجتمعاتنا، لكنها تعبر عن الانقسام السياسي الأقوى والأعمق. في ما يخص الأفكار القومية واليسارية والإسلامية، ليس هناك من نقص في الكتابات والأبحاث والنقاشات. اللافت للنظر، أن هناك شحاً استثنائياً في ما يخص الفكر الليبرالي، ويصار إلى اختزاله إلى أفكار اقتصادية تبسيطية. تهدف هذه المقالات إلى تسهيل النقاش الفكري والعلمي بين مختلف التيارات الفكرية، علنا نساهم في تعزيز النقاش الحضاري والمساهمة في بناء حوار وطني جاد يعزز من مكانة السياسة والثقافة في حياتنا.
Catherine Audard
Professeur de Philosophie Politique
Et Morale à la London School of Economics
ترجمه عن الفرنسية: ميشال أ. سماحة
(باحث اقتصادي اجتماعي)
الصراعات الجديدة
ما هي نتائج التحولات التي أصابت الفكر الليبرالي (التي استعرضناها في المقالين السابقين) بين العام 1880 و1920؟
بروز مفهوم جديد للفرد وللمجتمع
التحول الأول يتعلق بوعي “الطبيعة الاجتماعية” للأفراد وذلك تحت تأثير علم الاجتماع الناشئ.
سيصار إلى التخلي تدريجياً عن التصورات المجردة عن فرد كما وعن مفهوم حقوقه الطبيعية الـ”ما قبل اجتماعية” (Présociaux).
تحت تأثير هيغل، ستتطور الفكرة القائلة إن الحقيقة الاجتماعية هي حقيقة أخلاقية حيث تختلط فيها الروح(Esprit-Geist) الفردية بالروح الجماعية. من أهم دروس lesprit- Hegel, 1807) (Phénoménologie de “فنومينولوجيا الروح” (ظاهريات الروح أو علم ظهور العقل كما ترجمها مصطفى صفوان-1980، دار الطليعة- بيروت) هو أنه من المستحيل فصل التنمية الشخصية عن التنمية الاجتماعية. هنا الحتمية الاجتماعية لا تأخذ الشكل الميكانيكي والمادي والتبسيطي التي نجدها عند ماركس. إن تأثير هيغل مسؤولٌ أيضاً عن التاريخية(Historicisme) التي تتسم بها الليبرالية “الجديدة”. وفي الواقع، فإن دراسة التطور التاريخي لليبرالية تمكنه من فهمٍ أفضل للعلاقة بين الفرد والمجتمع. تاريخياً، تشكلت حقوق الأفراد كمعطى اجتماعي وليس كملكية فردية أو طبيعية ما “قبل اجتماعية”. هذه الحقوق لم تأتِ جامدة وثابتة مرة واحدة ونهائية في طبيعةٍ إنسانية، ولكنها كانت نتيجة وخلاصة مكاسب سياسية.
مفهوم وضعي جديد للحرية
انطلاقاً من ذلك، بلور توماس هيل غرين (Thomas Hill Green)” الفارق الشهير بين (freedom from) الحرية كاستقلالية من القيود، والحرية الناشطة (freedom to) القائمة على الاستقلالية الذاتية(autonomy) وعلى حرية الفعل والحركة. هذا الفارق هو حاسم ودقيق، لأن العوائق التي تواجه الحرية، لا تتشابه في الحالتين. ففي الحالة الأولى، العائق يتأتى من السلطة الاستبدادية والسلطة السياسية والدينية ومن القيود بشكل عام. في الحالة الثانية، العائق هو في غياب وسائل الفعل والقدرة على تحقيق وإنجاز مشاريع كالتي يصبو إليها الفرد في حياته. يمكن للفرد العيش في إطار مؤسسات الحرية، والمعاناة من نقص في الحرية في حال لم تتوفر شروط اجتماعية واقتصادية ضرورية لتطوره: مثل التربية، الصحة، السكن، والأجر اللائق، إلى آخره. فبالنسبة للحرية، الحقوق الاجتماعية والاقتصادية هي على القدر من الأهمية مثلها مثل الحريات الشخصية والسياسية. “الحرية لا تصبح حقاً من حقوق الفرد إلا إذا كانت لازمة اجتماعية” (هوبهوز 1911Hobhouse ). حول هذه النقطة تحديداً، ستندلع نقاشات قاسية وعاصفة مع الليبرالية الجديدة طوال القرن العشرين، وستُعلن نيوليبرالية حايكHayek أخطار الليبرالية “الجديدة” في كتاب طريق العبودية (1944La Route de la servitude-)، حيث يسأل حايك: أين هو الفرق إذاً بين هذه الأخيرة والاشتراكية؟
المفهوم الرعائي الجديد (welfariste) للديموقراطية
يتعلق التحول الثالث بالديموقراطية، حيث سيجري تحرك مزدوج من خلال: “دمقرطة” الليبرالية و”لبرلة” الديموقراطية التمثيلية.
يجب التذكير بأن الارتياب من “السلطة السياسية”(Le Pouvoir Politique) ، إن أتى ذلك من سلطة الملك المطلقة أو من الشعب، هي قاعدة تأسيسية وحجر الزاوية لليبرالية. كان هناك ميل عند الليبرالية إلى رؤية الخطرٍ الكامن في الديموقراطية أكثر من رؤية التطور الذي طال الحريات، وأخذ الحيطة والحذر منها. غياب السلطات المقابلة contre-pouvoirs التي تحمي الحريات الفردية، أدى إلى انحرافات في الثورة الفرنسية وشكلت تهديداً للديموقراطية من قبل “طغيان الأكثريات”، حسب وصف ميل. أدرك ميل كما توكفيل، أن التطور في عملية دمقرطة (La démocratisation) المجتمع والمؤسسات السياسية لا يمكن فرملته. مهمة المستقبل تكمن إذاً في دمقرطة/ ديموقراطية الليبرالية.
يصار الى انقاذ الديموقراطية في نظر الليبرالية، من خلال تطور وتغيير في أهدافها، التي لم تعد حكم الشعب “من قِبَل” الشعب بل حكم الشعب “من أجل” الشعب. وهكذا يصبح بالإمكان “لبرلة” الديموقراطية بتنقيتها من أبعادها الشعبوية والديماغوجية وباعتبارها الوسيلة الفضلى لتحقيق قيم الليبرالية: الدفاع عن الفرد وعن حقه في حياة سعيدة، فصل الحيز الخاص عن الحيز السياسي، وضع ضوابط للسلطة السياسية، إظهار مسؤولية القادة تجاه ناخبيهم، حرية التجارة والسوق، إلى آخره. أصبح من السهل على الليبراليين الإجابة على المطالب الجديدة للعمال في ما يتعلق بالمساواة وبالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وذلك في اطار احترام مبادئ الحكم الدستوري، مقاومين في الوقت نفسه التهديدات الخطيرة والاستثنائية التي تطرحها الاشتراكية والشيوعية من جهة، والتيارالمحافظ من جهة أخرى.
هنا أيضاً، سيشكل ميل، من خلال محاولته التوليفية بين الليبرالية والنفعية(utilitarisme) ، الربط والأساس لليبرالية “الجديدة”، التي ستقوم بإيجاد أربعة تبريرات للديموقراطية.
قبل كل شيء، الليبرالية تشكل تبريراً أخلاقياً للدفاع عن الديموقراطية. فهو النظام الوحيد الذي بوسعه تحقيق “السعادة الأقصى لأعضاء المجتمع، السعادة الأقصى للجميع من دون استثناء، عندما يكون ذلك ممكناً” (بينتامBentham-)، كونه النظام الأكثر شمولاً والذي يتطلب موافقة الجميع. أولاً وقبل كل شيء، تسمح الديموقراطية بحل المسألة الاجتماعية المتعلقة بتناقض المصالح (conflits des intérêts) بطريقةٍ غير تسلطية ومنسجمة مع حقوق الفرد. في حين أن الحرية تقسم الكائنات البشرية بالسماح للمواهب الموزعة بشكل غير متساوي بالازدهار، ما يسبب تعميق اللامساواة الاجتماعية، في حين السعادة بمعناها الواسع توحد. الديموقراطية هي النظام الوحيد الذي يتصور الخير العام كإرضاء وتلبية لمصالح الجميع وليس كتحقيق لخير أعلى وخارج (supérieure et extérieure) عن الرعاية. في النهاية إذا كان الأفراد هم الحكم الوحيد والأوحد لمدى ومستوى سعادتهم، يصبحون مهتمين ومنتمين أكثر لمؤسساتهم إذا جلبت تلك الأخيرة الرخاء لهم، ولكنهم أيضاً سيكونون وفي الوقت نفسه، حريصين عليها ويراقبونها عن قرب.
إن هذا المفهوم الرعائي للديموقراطية، المعدل والمطور، سيقود المفكرين الليبراليين إلى إعادة النظر في أحكامهم وإلى التصالح مع المثل الديموقراطية المتعلقة بالمساواة والتضامن. إن الايديولوجية الرعائية (welfariste)، وتحت تأثير العلوم الاجتماعية والاقتصادية، هي التي ستقنع الليبرالية بحسنات وايجابيات الديموقراطية. يبقى السؤال في معرفة أذا ما كانت الليبرالية ستخطئ، مبالغة في التفاؤل، مفضلة الحلول الاجتماعية والاقتصادية على الحلول السياسية والدستورية الكلاسيكية: رخاء متزايد، انتشار أوسع للثروة والتملك والارتقاء بالمستوى المعيشي، بوجه الانحراف ومخاطر الديموقراطية. من هنا اذاً، يأتي الاعتقاد الإشكالي بأن الرخاء الاقتصادي والديموقراطية يسيرون بالتوازي جنباً إلى جنب.
من مساواة في الحقوق إلى مساواة في الفرص
في أي إطار ودلالات إذاً، أصبحت الليبرالية اجتماعياً ديموقراطية وبالتالي مساواتية(égalitariste) ؟
بالنسبة لليبراليين الكلاسيكين، فإن المساواة بالحقوق أو المساواة أمام القانون، هي المفهوم الرئيسي الذي يتيح حماية الفرد “كشخصية قانونية” (sujet de droit): شخصية بالنسبة للقانون كما ولديها حقوق. ستُغني الليبرالية الجديدة هذا المفهوم القانوني وتحوله، بعد أن كان مفهوماً شكلياً وثابتاً للمساواة.
لقد أصبح المفهوم الرئيسي متعلقا “بتكافؤ الفرص”(égalité des chances) ، مما يعنيه من مساواة في الوصول إلى الموارد(égalité daccès aux ressources) ، الذي يتعارض مع المفهوم الذي تدافع عنه الاشتراكية وهو المساواة في الموارد(égalité des ressources) . إنها سياسة تنظر إلى المستقبل وتريد تصحيح نقطة الانطلاق في الحياة بغية ترك الحرية للأفراد في عملية التنافس على مستوى المواهب والقدرات الذاتية، بدلاً من تصحيح نتائج قراراتهم لاحقاً، وتعويض الخسائر ومعالجة اللامساواة التي حلت، مثلما هي الحال مع الاشتراكية، التي تتنكر وتتجاهل فكرة المسؤولية الفردية.
يشتق مفهوم تكافئ الفرص من التعريف الذي أدخله ميل عن الحرية كحرية “تطوير وتنمية الذات”. لم تعد الفردية(individulalité) وتنمية الذات، على صراع وخلاف مع المجتمع الذي يوفر، مثلما عبر عنه التضامن الفرنسي(solidarisme français) ، العناصر الضرورية للتطور والتقدم الفردي: تربية، مشاركة، حماية اجتماعية، إلى آخره. لم يعد الفشل الفردي كما كانت الحال في العصر الفيكتوري، دليلاً على غياب السمات “الشخصية/الطبع” وعلى غياب النية والإرادة الفردية، بل أصبح دليلاً على سوء التنظيم المجتمعي، الذي يمكن معالجته عن طريق رفع مستوى التضامن، جاعلين من المساعدة الاجتماعية حقاً من حقوق الفرد كما يقول ليون بورجوا(Léon Bourgeois) . إذاً، كانت سياسات مكافحة اللامساواة الإجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالولادة، بالبيئة الاجتماعية وبالعائلة، لا تهدف الى مساواة في الشروط، بل الى تحرير المواهب الفردية ومساعدتها على تنمية ذاتها من أجل خير المجتمع وصالحه العام، فهذه السياسات إذاً تكون متوافقة ومنسجمة مع الليبرالية. الصراع ضد اللامساواة يجب أن يواجه الامتيازات الاجتماعية للولادة والنشأة وللرأسمال الموروث، وعليه الترويج لفكرة الصعود الاجتماعي بفضل المجهود الشخصي والعمل الكاد والجرأة والسمات الشخصية: إنه الربط مجدداً مع الأسطورة الليبرالية الكلاسيكية. تبقى الليبرالية “الجديدة” إذاً ليبرالية وليس نسخة معدلة عن الليبرالية الاشتراكية.
مفهوم جديد للدولة
لكن التحول الأكثر إثارةً ودهشة للأفكار الليبرالية يتعلق بالدولة. في الواقع قاعدة من قواعد الليبرالية “الكلاسيكية” ستنهار مع الليبرالية “الجديدة”: إلا وهي مقاومة تدخل الدولة وعدم الارتياح لها كلاعب اقتصادي. إذا كانت الليبرالية الكلاسيكية تتسم بإعطاء أهمية استثنائية لحماية الأفراد ضد تدخلات الدولة التعسفية والاعتباطية، بالمقابل تتسم الليبرالية الجديدة بالمراهنة على قدرة الدولة على التصرف لمصلحة الجميع. من كونها تهديداً، أصبحت الدولة قوة للخير بقدراتها، بحيث أصبح دورها يكمن بتلبية حاجات مواطنيها: فتصبح الرفاهية (Le bien-être) مسؤولية الحكومة. من هنا نجد أن الليبرالية الجديدة هي سلف دولة الرفاه الاجتماعي(LEtat-providence) .
سيمتد نطاق عمل الدولة الآن ليشمل كل القطاعات التي كانت خارج سلطتها القضائية. تستدعي الليبرالية الجديدة تدخل الدولة بالاقتصاد لتدجين الإفراط السلبي للرأسمالية والسوق. لم تعد مهمة الدولة تقتصر على حماية الأفراد ومنع انتهاك حريتهم، بل أصبحت مهمتها تحقيق سعادتهم من خلال العمل على تقوية الاستقرار الاقتصادي وضبط السوق العالمي. من هنا كانت أفكار كاينزKeynes مستوحاة بقدر كبير من الليبرالية “الجديدة”. كما أنَ التدخلات في المجال الخاص والمجتمع المدني أصبحت مقبولة: العائلة (سياسات ديموغرافية)، الصحة والتعليم، البطالة، الشركات وعلاقات العمل ونقابات العمال، إلى آخره…
استناداً الى ذلك، شكل هذا المفهوم الجديد للدولة تبريراً لوجود وسائل جديدة لوظيفة الدولة الإدارية(LEtat administratif)، ما يعني تطور وكالات الخبراء غير المنتخبين لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. وبدأنا نرى إذاً تخلٍ عن العقيدة الليبرالية التي ترفض مبدأ تفويض السلطات(non-délégation des pouvoirs) التي تسمح بظهور وكالات إدارية مستقلة (مثل الضمان الاجتماعي في كل من فرنسا وانكلترا ومؤسسات ادارة وضبط الأسواق المالية في الولايات المتحدة الأميركية). إنه يتعلق بالسلطات غير المنتخبة التي تقع تحت إدارة السلطة التنفيذية، من دون وجود قدرة لدى النواب على تقييمها إلا في حالة الأزمات. زيادة ونمو حجم وتأثير بيروقراطيات الدولة غير المسؤولة أمام المواطنين أتت بالتوازي مع زيادة ضخمة للبيروقراطية في الاتحادات والشركات المتعددة الجنسيات العملاقة، مما سيشكل مجددا تهديداً لليبرالية.
LEconomie politique, FRANCE, No44-2009
www.leconomiepolitique.fr
Rédacteur en Chef adjoint: M. Christian Chavagneux
Catherine Audard: Quest-ce que le libéralisme? Ethique, Politique, Société-Paris, Gallimard-2009