كتب علي الحسيني في صحيفة “المستقبل”:
إياك التلفّظ بعبارات مُسيئة بحق “حزب الله” أو قياديّيه. إياك أن تُفنّد أخطاء قيادات وعناصر مقاومة رفعت رأس الأمة من أقصاها إلى أدناها ومن مشرقها إلى مغربها، فمن يرتكب هذه الأفعال أو المعصيات، إما أن يوضع في السجن وإمّا الاختفاء المُدبّر على يد أمن لم يعد يُحسب له أي إنجاز نوعي منذ بداية الثورة في سوريا، فقرر أن يُنجز على طريقته الخاصة عبر إدخال الرعب إلى قلوب فئة من اللبنانيين لم تعد تحتمل السكوت أو تجاهل الأخطاء التي تُرتكب باسمها تحت ذرائع عدّة على رأسها حماية الطائفة الشيعية.
أن تترك الضاحية وترحل عنها لمجرد أنك تشعر بالخطر على نفسك وعائلتك أو أن يلوك لسانك بأفعال ترتكبها عناصر قوى الأمر الواقع الموّزعة بين الفانات ومقاهي الأرصفة أو عند زوايا الطرق، فهذا يعني أنك خائن وتستأهل الرجم اللفظي إن لم يكن الفعلي بعد الاعتقال والتحقيق لفترة ساعات إلى حين يظهر لك صديق أو جار أو حتى تدخل سياسي “ممانع” يُخرجك من سجنك بعد أن تملأ استمارة تتعهد بها بعدم التعرّض بكلام مسيء بحق “حزب الله” وقياداته، ولتخرج بعدها بصفة عميل.
كل يوم يمر في حياة أهالي الضاحية، يُسمع فيه عن سكان قرّروا مغادرتها مرغمين بعد سنين أمضوها في أحياء ومنازل شهدت أجمل مراحل عمرهم وعمر أبنائهم، لأسباب تتعلق بالواقع المرير والخطير الذي دخل حياتهم بشكل مُفاجئ منذ أن قرر “حزب الله” التدخل المباشر والمستفز على خط الأزمة السورية والذي انعكس بدوره سلباً على أمن هؤلاء الأهالي وأرواحهم وليصبح هذا الخوف واقعاً ومؤكداً بعد الانفجار الذي وقع في بئر العبد وخلّف وراءها جرحى ودماراً في مشهد أعادهم بالذاكرة إلى زمن حصد الأرواح بعبوات تُزرع على الطرق.
بين الجموع التي غادرت وما زالت تغادر الضاحية في السرّ والعلن، أبى “حزب الله” إلا أن يودّع بلال ع. على طريقته الخاصة، وهو الذي قرر مغادرتها خوفاً من الآتي، فحمل ما تيسّر له من متاع له ولأولاده وليضعهم في سيارته على أن ينتقل وعائلته للعيش موقتاً في منزل يقع ضمن إحدى المناطق غير المحسوبة لا في السياسة ولا في العسكر على “حكّام” منطقته التي قرر مغادرتها، فالعمر في حساباته ليس “بعزقة” والمتفجّرة التي وقعت قد يأتي يوم وتجد لها شقيقة مماثلة في أي من مناطق الضاحية الأخرى.
وحده الجار كان على علم بنية بلال مغادرته لمنزله، إذ إنه وقبل يومين تحديداً من موعد الرحيل تجالس الجاران وتسايرا في الوضع القائم والتحدّيات التي تخوضها الطائفة الشيعية أو العزلة التي تعيشها في لبنان والخارج وتحديداً أبناؤها الموجودون في الدول العربية. لم يكن لجار بلال رأي مغاير لرأيه حتى عندما يلامس الأول المحظور في حديثه وتحديداً في إعطاء رأيه “بأن من يريد أن يستجلب الأعداء إلى أرضه من خلال تدخّله في حروب الغير، عليه أن يُحصّن أولاً مجتمعه أو بيئته على أقل تقدير لا أن يتركها عُرضة للقتل والذبح والخطف ولا أن يصرف الملايين من الدولارات في سبيل تأمين الحماية لقياديّيه”.
ليلة الرحيل عن الضاحية، كان الثالث من رمضان وكانت الساعة تشير الى الثانية عشرة منتصف الليل، وفي تلك اللحظة التي كان يهم فيها بلال للخروج من منزله، شعر بمراقبة أحد الأشخاص له لكنه لم يبالِ ظناً منه أنه مجرد شخص دعته حشريته لاختلاس النظر، لكن وصول أربعة أشخاص بسيارة من نوع “x5” بسلاحهم الكامل أدخل الرعب الى قلبه وجعله يرتبك ويحتار في إيجاد إجابة لأول سؤال يُطرح عليه وهو “شو عم تعمل؟” ليُساق بعدها إلى مركز قيل له إنه في حضرة أمن “حزب الله”.
يُخبر بلال عن تحقيق خضع له لفترة تزيد على ثماني ساعات على يد شخص كانت تناديه العناصر الحزبية “ثائر” والذي تخلّله بعض الصفعات على وجهه في كل مرّة كان يأتي فيها المحُقّق على ذكر قيادييّ المقاومة. “هؤلاء أشرف منّك ومن عيلتك أقله لم يهربوا من بيوتهم كما تفعل أنت”. في لحظة ما شعر أن توقيفه يتخطّى الاستجواب حول مغادرته الضاحية، فبعض الأسئلة كانت تتضمن رأيه في أمور تذكّر أنه ناقشها مع جاره في اليوم التالي لمتفجرة بئر العبد وتحديداً حديثه حول ضرورة حماية البيئة الحاضنة وليُدرك أنه وقع في شرك الجار.
التوقيف وصولاً إلى التعهدات التي وقّع عليها بلال، كانت من أصعب اللحظات التي مرّت في حياته فلم يخطر في باله يوماً أن يقف أمام محققين من “حزب الله” مُتّهماً بالعمالة، تارة لقوى “14 آذار” و”جبهة النُصرة” والسعودية وقطر، وطوراً لإسرائيل. أخبرهم أنه لم يتأخر يوماً عن دعمه بالمال لصندوق المقاومة حتى في عزّ حربها مع إسرائيل، إلا أن الردود كانت تأتي على الشكل الآتي: “المقاومة وبيئتها ومناطقها لا تحتاج إلى أموال عميل مثلك، والضاحية الجنوبية لا يُشرّفها أن يسكنها أمثالك”.
يخرج بلال من سجنه وكل الأمور باتت واضحة أمام عينيه، “لا مكان لي هنا لكني اقسم بأني سأعود مرفوع الرأس يوماً”. حاله يُشبه حال فلسطينييّ الشتات، لا أسف على قوى أمر الواقع ولا على أشخاص أوقعوه في شرك الجيرة، فقط يأسف على دولة تترك مواطنيها عرضة للإهانات والتوقيفات لمجرّد أن لهم رأياً مخالفاً، أما عن التعهدات التي أُجبر على توقيعها فيقول: “يبلّوها ويشربوا ميّتها”.
و أكيد في كثر متل بلال و لكن ليس لديهم الجرأة للخروج من هذاالواقع…
What a sad story, they lack the smallest and simplest value for human decency. Until our society values human beings above politics, such abuse of power will never end. Chances are this will continue for the long term and Lebanon will remain in the grip of a militia keeping the country unable to prosper.