#adsense

تحرر سمير جعجع والسجّان في العبودية (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

كيف تبدو الذكرى الآن؟ ليست ببعيدة. منذ نحو ثماني سنوات. تاريخ قريب لم يتحوّل بعد الى تاريخ في الكتب الدراسية الرسمية، وقد لا يتحوّل، ففي لبنان لكل تاريخ كاتب يتمايل وتتمايل معه الحوادث بحسب هوى الطائفة والزعيم. 26 تموز 2005 اطلاق سمير جعجع من الاسر. رسمياً هو التعبير المنطقي الصحيح، انما بلغة الشعور العميق الحقيقي، العكس هو الصحيح، نحن كنا الاسرى وهو الحرّ بيننا، اذن اطلقنا نحن. 11 عاماً وثلاثة أشهر وعدّاد الايام يمرّك المتراكم من العمر الضائع، 4114 يوماً من ينسى؟ من يتحمّل؟ كيف عبروا؟ كم عمرا فيهم تناثر، وكم شاباً منا ضاع ورحل واستشهد، وأين صارت القضية؟!

يوم خرج، انتظرنا طويلاً ومنذ الصباح أمام التلفزيون، حسدنا من ذهبوا لاستقباله، راقبنا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وهو ينتظر اللحظة من بكركي، انتظرنا لنعرف كيف أصبح، هل تغيّر كثيراً؟ ما لون وجهه، عيناه اما زالت غائرتان، وجهه نحيل؟ هل انحنت قامته؟ كنا نعرف انه ما زال جبلاً، كنا نحمل اليافطات التي كُتب عليها” الحرية للمارد” فتساءلنا هل ما زال كذلك؟ هل يبقى المارد مارداً أم تروّضه لوعة الاسر والانعزال؟… ورأيناه.

لم يكن كما كان قبل 11 عاماً، تحديداً يوم اعتقاله في غدراس، تغيّر كثيراً وان بقيت المعالم ذاتها. تغيّر في ضميرنا، هكذا اكتشفنا. كان نحيلاً، غائر العينين لكنه منتصب القامة. ولما حكى علمنا ان الرجل كما دخل خرج، ثابت على مبادئه لكنه تغير في مكان آخر، صار أكثر حناناً على ناسه، أكثر خوفاً عليهم وعلى بلاده، هو صنع ذاك الخليط الانساني الكبير، الحنان مع الخوف مع عزّة النفس.

11 عاماً ونحن نشعر بالذنب لاننا كنا نظن اننا في قلب الحياة ولم نكن، وهو لانه في قلب الظلام ولم يكن، وعندما خرج، تحررت فينا النفس الاسيرة التي غلبها سجّان الخوف والضعف واللاايمان بقدرتنا على مواجهة القوي حين يتجبّر، والاقزام حين يدعون انهم جبابرة…

كان الاقزام من حوله كثر، استطاعوا أن يحبسوه في أسر المكان، زنزانة بالكاد تتسع هامته، لكنهم عجزوا، عجزوا فعلاً عن ادراك المكان الرحب الفسيح الذي سبح في فضائه، عن حرية القلب المفعم بالايمان، ومساحات الارض الشاسعة في عقل كان صار أبعد بكثير كثير من حدود سجّان تافه، وهنا قهرهم، عجزوا عن ادراك تلك القوة، وعندما كانوا يريدون تحطيم الكبرياء، كانوا يسمعونها صوت تعذيب الشباب علّه ينهار ويشلح عنه تلك الريح التي لم يتمكنوا يوماً من القاء القبض عليها، ولم يفعلوا ولن يفعلوا، هم وطليقون يعيشون العبودية،  اما هو وامثاله من شباب “القوات”، وفي قلب الاسر عاشوا الحرية حتى آخر القطرات…

يوم خروجه سادنا صمت ما رغم ضجيج الفرح فينا. كنا نريد أن نعرف أين أصبح سمير جعجع؟ قال كلمته أمام الحشود الدامعة، ستريدا، بريزيدان انطوان شويري، مي شدياق، جبران التويني، كثر كثر و…وبيار الضاهر، تصوروا، وذهب في رحلة خارج البلاد. شيء كبير تغيّر فينا، عدنا نتذوق الحياة كما يجب أن نفعل، غاب شعور الغبن والضيق والانحسار في كل شيء، في المكان كما في المشاعر، عدنا نطلق العنان لكل شيء فينا من دون أن نتردد أو نتذكّر اننا أسرى، والله كنا أسرى ولما خرج حررنا معه قبله…

قال مرّة في ذكرياته داخل المعتقل: “واذا كنت معزولاً في المكان داخل زنزانة فلست وحدي، إن معي كل الشهداء وأنتم، أقعد معكم، أحاوركم، احاكم نفسي أمامكم، فأنتم لي قضاة العدالة الحقيقية، وماذا كان ينفعني لو ربحت البراءة من كل محاكم الارض ونلت حكم إدانة منكم؟”… ونحن كنا نوجّه تهمة واحدة له وحاكمناه بقسوة، لماذا قبلت دخول السجن؟! ثم ومع الوقت والنضوج غيّرنا السؤال والاحكام أيضا، كيف لرجل أن يُدخل امّة كاملة معه في الاسر، ولو لم يعترف الاخرون بذلك، وتقف الامّة السجينة على باب زنزانة تراقب انهيارها وعبوديتها أمامه، وهو أسير لم يعش لحظة واحدة خارج الحرية؟!… هذا ما علمتنا اياه الـ 11 عاما من مجد الكرامة…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

3 responses to “تحرر سمير جعجع والسجّان في العبودية (بقلم فيرا بو منصف)”

  1. Besides being devious and rutheless, late Syrian despot Hafez Assad was visionary. He saved the lives of Messrs. Geagea and Aoun for the sake of using them against each others, and at the same time hindered the naissance of new Christian leaders, just to keep the Christian community divided and weak. And the two so-called “leaders” were and still master performers in executing the roles assigned to them by Mr. Assad Sr., driven by their primal insticts and sick egos!

  2. حر وحر وحر فهو لطالما كان حر وهم العبيد والمحابيس في حقدهم

خبر عاجل