“لا تنخدعوا بمن يدّعي كلامياً الدفاع عن القيم والمبادئ، بينما في ممارساته يعمل جاداً لتدميرها، ولنتحد معاً على اختلاف انتماءاتنا، لمواجهة تفكيك الدولة ومؤسساتها وإلغاء الوطن، متعهدين إكمال مسيرة إنقاذ لبنان”… قبل ان نعرف قائل هذا القول نقول، كلام رائع صادر من قلب مثخن بالخوف على الوطن، قلب جريح مرمرت زمانه الاحداث والمواجهات والنضال الصعب المرير من أجل كرامة الوطن… عندما نقرأ هذا النداء الوطني الحار نظن انه لزعيم لا يقل مواجهة وصلابة عن ونستون تشرشل، أو وطنية عن نلسون مانديللا وقد يقارب تشي غيفارا، واذا اردنا تشبيهه محلياً لقلنا فوراً ومن دون طول تفكير، انه بشير الجميل!… لكن نستفيق من الوهلة لنتذكّر انه هو ما غيره ميشال عون!!!
ميشال عون ولا أحد سواه يدعو كمن يكتب آخر وصاياه الى انقاذ الوطن… لا، أكثر بعد، يدعو “للاتحاد لانقاذ الوطن”!!! شو صاير بالدني يا جنرال، أهي آخر اليقظات قبل لفظ آخر الانفاس السياسية بالطبع؟! كيف انتبه أخيراً الى أن ثمّة شركاء آخرين في الوطن، شركاء حقيقيين وليس حلفاء وثيقة تفاهم على عبودية مستترة اظهرت كل معالمها في الاشهر الاخيرة خصوصا؟!
هي نكسة الحب ربما، بالتأكيد هي كذلك. حبّ بدأ عنيفاً متبادلاً بين الطرفين، “التيار” والحزب، وبدأت الثمار تظهر تباعا، مناصب ومكاسب في الوزارات والحصص والانتخابات وما شابه، وصار البلد صندوق فرجة لوزراء الجنرال واقاربه خصوصاً، تجاوز الجنرال النكسة الاولى في الانتخابات الرئاسية، لم يبادله الحزب الحب الكافي ووافق على ميشال سليمان، بلعها، على مضض فعلها، ثم بدأت سلسلة التنازلات. في الحب لا يُسأل عاشق عما يعطيه، دفق من العطاء. في الحب لا يُسأل عاشق عن التنازلات، لا كبرياء ولا من يكابرون، يللا الحب لاجل الحب رغم كل النكسات. لم ينل منصب رئيس جهاز الامن العام، لم يسترجع اي منصب مسيحي كما وعد، وكان عندما يزعل، يزعل لوحده، يركن الى خده ووسادته الخالية يشكوها هم الحب من طرف واحد، وينهض صباحاً ويصرخ في وجه الصحافيين ويدافع عن “الحبيب” بالدم والروح. يغطّي أفعالهم وجرائمهم وفي كل مرّة بعذر أقبح من ذنب، فعلوا كل شيء وغطّى لهم باسم الحب كل شيء حتى جريمة اغتيال هاشم السلمان!! دفاع بما تبقّى من الروح علّ وعسى تتغير أجندة القلب عند الحزب، ويحنّ قلبو شوي، لكن قلب الجنرال على الحزب وقلب الحزب على بشار الاسد، الغريم اذن.
ومع ذلك استمرت نداءات قلبه علّ الحزب يلبي النداء الاخير على الاقل بجعل صهره قائدا للجيش، وجاءت الضربة الاخيرة بالتمديد للعماد جان قهوجي. افف ضربة قاسية. فكان لا بد من الردّ. بالعادة رد الفعل في هذه الحال تكون نتيجة اليأس. هو لا يجرؤ الدخول معهم في سجال عنيف مباشر، وتعرفون بين الحب والكراهية بالكاد شعرة. لكن الخوف هنا أقوى من كل المشاعر. لم يشأ التوجّه اليهم بالعتب واللوم وبالاسماء، لجأ الينا، نحن من نُسمّى بالرأي العام.
بعد ثلاثين عاما على الاقل من التصلب والاستبداد، تنبّه الجنرال الى شيء يسمى في الحياة العامة، بالرأي العام، والاهم “الشريك”، دعانا جميعا لنتّحد لانقاذ الوطن!! لم يعد هرقل زمانه، هرمت سواعده وما عاد قادراً على حمل عبء الكرة الارضية اللبنانية، فطلب النجدة، انتبه الى وجودنا، تذكّر ان تفاهمه هنا أثمر كل الويلات المعقولة وغير المعقولة، المتوقّعة وغير المتوقّعة، المقبولة وغير المقبولة على الاطلاق، تنبّه الى ان لم يتبق له الا نحن…
“لا تنخدعوا بمن يدعي كلامياً الدفاع عن القيم والمبادئ، بينما في ممارساته يعمل جاداً لتدميرها”!! … سؤال خبيث انما مشروع ولا بدّ منه، هل لو قبل “الحزب” بصهر الجنرال قائدا عتيداً للجيش بدل التمديد للعماد قهوجي، هل كانت انتفاضة الجنرال المتأخرة، المتأخرة جداً هل كانت حصلت فعلا؟!
هي حكاية الراعي والذئب المزعوم، اذ في نداء “الراعي” الاخير الوحيد الذي كان صادقاً، لم يلب الناس نداءه، لم يصدّقوه، فالتهم الذئب كل الاغنام… التهمت الايام فينا كل صورة له قد توحي، قد، بأي بارقة أمل بالشفافية والصدق… هي ضريبة الحب يا جنرال وصحيح ان وفي أحيان كثيرة يضرب الحب شو بيذل…

اه والله