القرار الإتهامي في فضيحة تزوير الأدوية يؤكد الشبهة على فنيش وآخرين… كيف حصل التزوير؟

بعد نحو ثمانية أشهر على فضيحة تزوير الأدوية التي كان بطلها، عبد اللطيف فنيش، وتورّطه مع آخرين في المتاجرة بأرواح اللبنانيين وصحّتهم، أصدر قاضي التحقيق الأوّل في جبل لبنان جان فرنيني، القرارَ الاتّهامي في الملفّ، مؤكّداً الشبهة على فنيش وكلّ مِن رفاقه فؤاد وهبي، ومحمد حجازي وشوقي عطوي، وطلب لهم عقوبات تصل أقصاها إلى الأشغال الشاقة الموَقّتة.

وجّه القرار الاتّهامي الذي وقع في 17 صفحة، إلى فنيش، تهمة تزوير تواقيع وزير الصحّة (علي حسن خليل)، واستيراد كمّية من الأدوية تبعاً للمستندات المزوّرة، وتقليد أختام وزارة الصحة، وتزوير وتحريف نتائج تحاليل الأدوية، ونَسبها إلى مختبرات جامعة بيروت العربية واستعمال المزوَّر، واستند القرار إلى مواد من قانون العقوبات تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة الموَقّتة.

كذلك، اتّهم فؤاد وهبي بالتدخّل بالجرائم المنسوبة الى فنيش، وباستيراد أدوية طبية غير مطابقة للمواصفات المعتمدة، وبيعها واستعمال مستودعات غير مطابقة للمواصفات وغير مرخّصة. كما اتّهم محمد حجازي وشوقي عطوي وشركتَي “نيو الفارما” و”انترناشيونال فارما غروب”, باستيراد أدوية غير مطابقة للمواصفات، وحيازتها وبيعها، وذلك استناداً إلى مواد في قانون مزاولة مهنة الصيدلة، تصل عقوبتها القصوى الى الحبس ثلاث سنوات والغرامة الى 50 مليون ليرة. ومنع القرار الإتهامي المحاكمة، عن كلّ من قاسم بزّي وشركة “سيتي فارما” وياسر غزال ومنى مروّة وباسم شريم، لعدم ثبوت ارتكابهم جرماً جزائيّاً.

كيف حصل التزوير؟

فنّد القرار الإتهامي دور كلّ من المتهمين في عملية تزوير المستندات الرسمية واستيراد الأدوية وبيعها في الأسواق اللبنانية.

وجاء في فقرة الوقائع أنّ جامعة بيروت العربية ادّعت في الملف، وأوضحت أنّ قسم الكيمياء لديها معتمد لدى وزارة الصحة لتحليل الادوية المستوردة وتسليم التقارير بشأنها الى وزارة الصحة، قبل إعطاء الشهادات والتراخيص اللازمة حول صلاحية تلك الادوية لطرحها في السوق. وقد أفادت أنّ إدارتها لاحظت بداية، بأنّه لم يعد يرد الى المختبر لديها طلبات تحليل أدوية بالوتيرة التي كانت ترد في السابق من الوزارة، وأنّه عندما تمّ استيضاح الوزارة تعجّب مسؤولوها كون الطلبات توجّه دوريّاً إليها، ويوجد تقارير من الجامعة بهذا الخصوص. عندها وجّهت رئيسة دائرة التفتيش في الوزارة كتاباً إلى عميد كلية الصيدلة في الجامعة للاستفسار عمّا إذا كانت تقارير تحليل الأدوية الصادرة عنها بأرقام وتواريخ محدّدة صحيحة. وبعد التدقيق اتّضح أنّ التقارير وعددُها نحو التسعين تقريراً، ليست صادرة عن الجامعة، وأنّ آخر تعامل من المستودعات المعنية حول استلام ادوية للتحليل، مرسلة من الوزارة كان في تموز 2011.

الجرم المشهود

أرسلت وزارة الصحة مفتشاً الى الجامعة، فتأكّد أنّ فنيش المسؤول عن إنجاز معاملات مستودعات الشركات الثلاث المذكورة سابقاً، والذي كان بدوره استلم العيّنات عن هذه الأدوية من وزارة الصحة لتحليلها، لم يسلّم الادوية الى الجامعة، وأنّ نتائج تحاليل هذه الادوية لم تصدر عن الجامعة، وأنّ فنيش لم يسلّم الى الجامعة أيّاً من الادوية منذ حوالى السنة.

وعلى الأثر تقدّمت الدولة اللبنانية ممثلة برئيس هيئة القضايا في وزارة العدل، بشكوى متخِذة صفة الادّعاء الشخصي في حقّ مجهول، بجرائم الغشّ والتزوير والاحتيال ومخالفة قانون مزاولة مهنة الصيدلة.

إفادات المدّعى عليهم

في سياق التحقيق، تبيّن أنّ محمد حجازي المدير الاداري المسؤول في شركة “نيو الفارما” والمفوّض بالتوقيع عنها، أفاد بأنّ الأدوية التي تستوردها الشركة نوعان: الأوّل مسجّل لدى وزارة الصحة ولا يحتاج الى تحاليل، والثاني غير مسجّل ويحتاج الى موافقة خطّية مسبقة استثنائيّاً من وزير الصحة، على أن تكشف دائرة التفتيش الصيدلي عليه وعلى مستنداته وتسحب عيّنات من طبخاته عند وصوله الى لبنان، فتودعها في مختبر جامعة بيروت العربية بواسطة فنيش، للاستحصال على نتيجة هذه التحاليل وإيداعها وزارة الصحة. ونفى حجازي أيّ علاقة له بالتزوير.

بدوره، أفاد الصيدلي المدّعى عليه ياسر غزال، المدير الفنّي في شركة “نيو الفارما”، بأنّه يتابع معاملات الشركة وتسجيل الادوية المستوردة لدى وزارة الصحة ويحضر أثناء الكشف على الادوية وسحب عيّناتها في المطار أو مرفأ بيروت. وأفاد بأنّ فنيش هو المكلّف باستلام وتسليم عيّنات الأدوية الى مختبر جامعة بيروت العربية، نافياً بدوره علاقته بالتزوير.

كذلك، أفاد المدّعى عليه شوقي عطوي مدير شركة انترناشيونال فارما غروب والمفوّض بالتوقيع عنها، بأنّ الشركة المذكورة لا تستورد الادوية. وروى أنّ المدّعى عليه فؤاد وهبي الذي يتعاطى بيع وشراء الادوية منذ فترة طويلة طلب منه استيراد كمية من الادوية على اسم “انترناشيونال فارما غروب” كونه لا يملك شركة تجارية تخوّله استيراد الادوية، وقال إنّه رفض ذلك بادئ الأمر، إلّا أنّه ونظراً إلى إلحاح وهبي وحاجة السوق لهذه الادوية المضادة للالتهابات وإبر الفيتامينات والمسكّنات وغيرها من الادوية التي تستعمل في المستشفيات، عاد ووافق من دون مقابل، ثمّ زوّد وهبي بصور مستندات للشركة، ليستحصل بعدها الأخير على فواتير خاصة بهذه الأدوية من الهند.

وأضاف عطوي انه بناء لطلب وهبي وبحكم علاقته الجيّدة مع العاملين في وزارة الصحة، قدم الفواتير والمستندات الخاصة بشركته الى الوزارة واستحصل على موافقة مسبقة استثنائية من وزير الصحة تسمح بإدخال الأدوية. وأفاد انه بعد شهر من ذلك وصلت الأدوية الى مرفأ بيروت، فأرسل الصيدلي في الشركة منى مروّة الى مرفأ بيروت لحضور سحب عيّنات الأدوية وإيداعها المختبر، وبعد ثلاثة اسابيع أبلغ وهبي الى عطوي أنّ نتائج التحاليل سليمة. وعندها باعها وهبي في الأسواق اللبنانية، لكنه بعد اسبوعين عاد ليطلب من عطوي توقيع فاتورتين جديدتين لأدوية يرغب باستيرادها من الهند، فرفض عطوي وأبلغه أنّ مروّة رفضت بدورها.

لكن بعد إصرار وهبي ووعده بأن تكون المرة الأخيرة، استلم عطوي الفاتورتين وذهب بهما الى وزارة الصحة لتوقيعهما من الوزير، إلّا انه لم يفلح بذلك كون الوزير تمنّع عن توقيع اي فاتورة خاصّة بهذا الشأن. لكن وهبي لم يقتنع بذلك، فأخذ الفاتورتين مؤكداً لعطوي انه سيوقعهما بواسطة مقرّبين من وزير الصحة. وبالفعل، في اليوم التالي اتصل وهبي بعطوي وأبلغه أنه تم توقيع الفاتورتين وانه سيستورد الأدوية. وأفاد عطوي في التحقيق انه لم يعرف شيئاً عن هذا الموضوع، الى أن استدعته مستشارة وزير الصحة لتبلغه أنه تم تزوير الفاتورتين، وأنّ التواقيع الموجودة عليها ليست للوزير، كما أنه تم تزوير تقرير التحاليل الصادرة عن مختبر جامعة بيروت العربية. فاتصل عطوي بوهبي على مسمع المستشارة، ليجيبه الأخير بأنّ فنيش هو من قام بذلك. ونفى عطوي علاقته بالتزوير.

بدورها، أفادت الصيدلي المدعى عليها منى مروّة أنّ شركة “انترناشيونال فارما غروب” لا تستورد الأدوية، وبأنها حضرت الى مرفأ بيروت أثناء الكشف على الأدوية المستوردة، وأكدت انها لا تعرف وهبي ولا فنيش، وأن لا علاقة لها بالتزوير.

وأفاد المدير الإداري في شركة “سيتي الفارما” والمفوّض بالتوقيع عنها قاسم بزي، بأنّ الصيدلي في الشركة باسم شريم هو المكلّف الوحيد من الشركة الحضور الى المطار عند الكشف على الأدوية المستوردة. والتقت إفادته مع إفادة الصيدلي المدعى عليه باسم شريم المدير الفني في شركة “سيتي فارما” والمفوض بالتوقيع عنها، بأنّ فنيش يسلّم العيّنات لإيداعها مختبر جامعة بيروت العربية ويستحصل على النتيجة من المختبر المذكور، ويودعها وزارة الصحة، وينجز كل المعاملات الإدارية الخاصة بالأدوية المستوردة لدى وزارة الصحة ابتداء من أخذ الموافقة الاستثنائية مروراً بإيداع عيّنات الأدوية في المختبر واستلام النتائج، انتهاء بالاستحصال على موافقة الوزارة، نافياً بدوره علاقته بالتزوير.

ختم مستودعات وهبي

ولفت القرار الى أنه تم ختم مستودعات يملكها وهبي، منها مستودع في منطقة “السانت تريز” غير مجاز وغير مرخّص من وزارة الصحة، ومستودع آخر في الغبيري، غير مجاز وغير مرخّص كمستودع أدوية من وزارة الصحة. وأنه كان يوجد في داخل هذين المستودعين كميات كبيرة من الأدوية.

فنيش اعترف بالتزوير

وتبيّن انّ عبد اللطيف فنيش المعروف بمحمود فنيش أنكر لدى استجوابه أمام قاضي التحقيق ما نسب اليه، وأفاد انه يعمل كمعقّب معاملات في وزارة الصحة، ويخلّص معاملات للشركات المدعى عليها: “نيو الفارما” و”انترناشيونال فارما غروب” و”سيتي فارما”، المتعلقة بوزارة الصحة. وأنه يتعامل مباشرة مع شركتي “نيو الفارما” و”سيتي فارما”، وأنّ تعامله مع شركة “انترناشيونال فارما غروب” كان يتم من خلال فؤاد وهبي الذي يعرفه منذ سبع سنوات كمعقّب معاملات في وزارة الصحة، وأنّ علاقته به اقتصرت على انه استلم منه بعض المعاملات لملاحقتها في وزارة الصحة والاستحصال على الأذونات والتحاليل وكل ما يلزم من أجل إخراج البضاعة من المرافئ.

واعترف فنيش بأنه هو من زوّر كل التحاليل والشهادات التي نسب صدورها عن جامعة بيروت العربية، ومنها نحو 12 مستنداً، وذلك عن طريق التصوير بالسكانر. كما انه مرّر قلمه على التواقيع الموجودة لتصبح واضحة. واعترف بأنه زوّر توقيع وزير الصحة على فاتورتين أو ثلاث، وانه استعمل كل المستندات المزوّرة، نافياً أن تكون الأدوية المستوردة مزوّرة. وقال إنه قام بكل عمليات التزوير ليقبض أتعابه بسرعة، مؤكداً الإجراءات وإدلاءات المدعى عليهم المستمع إليهم في مرحلة التحقيق الأولي لجهة طريقة الاستيراد والموافقة المسبقة الاستثنائية المعطاة من الوزير وتزويره البعض منها، كما لجهة استلامه العيّنات وتسليمها الى مختبر جامعة بيروت العربية، واستلام نتائج التحاليل وتسليمها الى وزارة الصحة لإعطاء الموافقة النهائية.

فيما أنكر وهبي أمام قاضي التحقيق، ما نسب اليه واعترف بأنّ لديه مستودعَي أدوية، وبأنه يتعامل مع عطوي بصفته صاحب شركة “انترناشيونال فارما غروب”. وقد اتفق معه على استيراد كمية من الأدوية بعد الاستحصال على موافقة مسبقة استثنائية من وزارة الصحة وانه تم استيراد الأدوية بواسطة الصيدلي مروّة، وانه عاد وطلب مساعدة عطوي للاستحصال على موافقة مسبقة، فتعذر ذلك، فسلّم الاوراق لفنيش الذي تبيّن فيما بعد انه زوّر تواقيع الوزير على الفاتورتين. وأضاف وهبي انه وبعد استيراد الأدوية موضوع الفاتورتين، أوكل الى فنيش متابعة المعاملات المتعلّقة بالأدوية ليصار الى إخراجها من الجمارك، فتصبح جاهزة للبيع في السوق اللبناني، وأنّ فنيش تولّى عملية الاستحصال على التحاليل والنتائج العائدة لهذه الأدوية.

في المقابل أنكر المدعى عليهم محمود حجازي وياسر غزال وشوقي عطوي ومنى مروّة وقاسم بزي وباسم شريم أمام قاضي التحقيق ما نسب إليهم.

وأشار القرار الى ورود كتاب من وزارة الصحة العامة بتاريخ 9 تموز 2013 جاء فيه ما يلي: ان كل الادوية التي ارسلت للتحليل هي ادوية غير منتهية الفعالية، قسم منها مشمول بالقرار رقم 1689/1 تاريخ 23/10/2012 وقسم آخر غير مشمول بهذا القرار. وأورد أنه تبيّن أنّ نسخ فواتير استيراد الادوية غير المشمولة بالقرار المذكور، المرسلة للتحليل، والمحفوظة لدى وزارة الصحة العامة مستوردة من مستودع أدوية “نيو الفارما”، وتبيّن من التحاليل الواردة من جامعة بيروت العربية وجامعة القديس يوسف وجامعة AUST ومختبر ATL أنّ قسماً من الأدوية المودعة في مستودعَي وهبي صحيح، وقسماً آخر غير صحيح، وأنّ الأدوية غير الصحيحة لم تحوِ المادة الفعّالة أو أنه تمّ تغيير لونها أو نسبة الحموضة فيها أو هناك شك في وجود مواد مولّدة للحمى فيها، وأنّ النتيجة أتت متباينة من الجامعات الثلاث وأحياناً مطابقة، أمّا في ما يتعلق بالأدوية الصحيحة فقد أتت النتيجة متطابقة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

One response to “القرار الإتهامي في فضيحة تزوير الأدوية يؤكد الشبهة على فنيش وآخرين… كيف حصل التزوير؟”

خبر عاجل