“انتَ فصّل ونحنا منلبس”، تقول اللوحة الاعلانية في عيد الجيش. عظيم لكن المشكلة ان في لبنان أزمة خياطين. أزمة حقيقية. اذ لكل منهم هواه ونغمته وابرته وقطبته المخفية والظاهرة، وكل يفصّل بحسب ذاك الهوى ويُلبس جسد الوطن والجيش.
من يحيك للجيش اللبناني بذّته ويفصّلها له وعلى أي مقياس، وأي تفصيلة سيلبسنا اياها معه؟ سؤال مشروع والدنيا تغنّي عيده. أنا احب الجيش. كلنا نحب الجيش وهذه مشكلتنا الحقيقية، نحبه ويؤلمنا هذا الحب لانه مترافق بما هو أكبر بعد، الخوف!
في العادة الجيش يخاف على الشعب فيحميه، هنا، نحن من يخاف على الجيش ونريد أن نحميه!! مفارقة غريبة اليس كذلك؟ هي التفصيلة ما غيرها تجعلنا نخاف ونتوجّس. نحن لا نريد أن نرى جيشا الا بصورة اولئك الابطال في نهر البارد، أقرب الامثلة تاريخياً، حيث كانت للبطولات الف حكاية وحكاية، بطولات حقيقية لا يعرفها الا من عايش تلك الجبهة الملتهبة بالشهادة، ذاك كان عزّ حقيقي. نريد أن نراه كما عايشناه في حرب تموز ما غيرها التي فرضت عليه وعلينا بالقوة، حارب، دافع، ساعد الناس استشهد عنهم ومن أجلهم، لكن، وهنا كل الخوف، جاء جيش سواه، غير شرعي، ليستثمر كل تلك الشهادة ويضعها في حسابه الشخصي… جيش آخر يحاول الآن وبكل قواه، أن يفصّل للجيش اللبناني ما يريد أن يلبسه اياه، لينسحب لاحقاً علينا نحن الشعب، فهل ستتمكن تلك الابرة المسمومة من غرز قطبها الخفية في بذّة الكرامة تلك؟!
هي مناسبة واحدة تزداد من حولها حفلات المزايدة هذا الاسبوع. فجأة يُستنهض حب الجيش من قعر الايام عند بعضهم، ويبدأون تنظيم النشاطات المصوّرة طبعا في الشوارع حينا وفي البيوت وعلى السطوح ربما، فجأة صار الكل من “أصدقاء” الجيش وكأن لا اصدقاء سواهم، لكن وعندما تحزّ المحزوزية، الكل يختبىء في ظلاله. فنانون يشحذون حناجرهم المحشرجة أساسا، لينشدوا وطنيتهم العالية التي لا تهبط، الا في يوم مماثل قد لا يتسنى لهم سواه، ليظهروا في سماء الفن ويرفعوا “اسم لبنان عاليا”!! فنانون يقولون انهم من “انصار” الجيش هذه المرة، ما يعني ان لا انصار له سواهم، يحضّرون للمناسبة التي لا تتكرر الا مرة كل أول من آب، اذن هي فرصة العمر، فرصة لا تعوّض للعودة الى ضوء ربما لم يكن أساسا مضاءً في مسيرتهم الفنية المشعّة بالخيبات. الكل يريد أن يغني، الكل يريد أن ينشد الجيش، الكل يلبس البذة المرقّطة، يصعد المرسح، يضع الميكروفون تحت الابط ويبدأ التلويح بالعلم، وليحيا العلم يحيا الجيش اللبناني، ندبك قليلا نصفّر نحيي الف مليون مرة الجيش، ونذهب مساء الى البيت ونجلس في عتمة السخافة والنسيان…
اتراه هذا هو الانتماء الصحيح للمؤسسة؟ هل يجب أن نمالق المؤسسة ونوافقها في كل شيء وع العمياني لنعلن حباً مزيفاً لها وننال تصفيق الفارغين؟ أم يجب أن نتصارح معها لنكون فعلاً خائفين عليها وعلى مستقبلها وننال الشتائم؟ أفضل الثانية الف مرّة، الف شتيمة من منافق ولا تصفيقة واحدة من منافق تفقدني احترامي لذاتي.
الآن عرفت ما أريد، او الاصح، الآن وفي آخر المقال عرفت ماذا اكتب عن الجيش بعدما تاهت بي السطور في البداية، أتعرفون لما تاهت مني الكلمات؟ لاني كنت بدأت أتملّق وأكتب ما يجب وليس ما أشعر. في الـ “ما يجب” نكتب أي كلام عن البطولات والكرامات والكلام الحلو السهل اياه، في الـ “ما أشعر” اعلن حبي للجيش المجبول بالخوف عليه، هو حب يوازي الانتماء لارض الشهداء والقديسين، وخوف يوازي عمراً بحاله من مصادرة صورة تلك المؤسسة، ليفصِّل ثوبها على قدّ غير ميّاس على الاطلاق، قدّ لا يشبه هامة لبنان ولا مساحته المدروزة كرامة، فينزع عنه هيبة المقاومة الحقيقية وعزّ الوطن. لذلك، وقبل أن تفصّل لك الاثواب والبذات لنلبسها معك، دعنا نتفحص القطب جيدا فقد نرى ابرا مسمومة مدسوسة بين الازرار والاوسمة ونحن لن نقبل بأي تفصيلة لا تليق بالاسم الكبير، الجيش اللبناني…

شو فضل موسى عا ربّو
وهل من المقبول إلباس بذلة لمغاوير الجيش…من تفصيل قوميين سوريين لا
يعترفون أصلاً بالكيان اللبناني؟؟؟